السيد كمال الحيدري
59
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
تلتزم به الفلسفة الوضعية التي اعتمدت التجربة في إثبات ما له واقعية خارجية ، وبذلك خرج كلّ ما لم يُمكن إثباته تجريبياً عن حريم العلم ، وبذلك لم يعد للقضايا الغيبية الميتافيزيقية موضع للبحث عندهم ما دامت غير قابلة للتجربة والمشاهدة . وحيث إن هذا المنهج التفسيري يعتمد على الاستقراء بالدرجة الأُولى في رصد مفردات التجربة فإنه يبقى عاجزاً عن تقديم نتائج قطعية لعدم مكنته من الوصول إلى استقراء تامّ ، ولذلك فإنّ نتائجه ستبقى ظنّية بحاجة إلى مُتمّمات تُصحّح العمل والأخذ به . فالمشاهدة تحتاج إلى تكرار ، والتجربة إلى استمرار ، ليتسنّى للنظرية المستفادة منهما التحوّل إلى قانون ثابت في ضوابطه ونتائجه ، ومع كلّ ذلك فإنَّ فلسفة العلم « 1 » طبقاً لنظرياتها الجديدة أثبتت عجز العلوم الطبيعية التجريبية من الوصول بمعطياتها إلى مرتبة القانون ممّا جعل أصل الإشكالية أكثر تعقيداً .
--> ( 1 ) الفلسفة كلمة يونانية الأصل مشتقّة من فيلاسوفيا ، ومعناها الحرفي : ( محبّة الحكمة ) ، موضوعها الوجود ، ولذا فهي العلم الباحث في الموجود بما هو موجود ، وأمّا فلسفة العلوم فهي أحد فروع الفلسفة الذي يهتمّ بدراسة الأسس الفلسفية والافتراضات والمضامين الموجودة ضمن العلوم المختلفة ، بما فيها العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والرياضيات والبيولوجيا - علوم الحياة - ، والاجتماعية مثل علم النفس وعلم الاجتماع والعلوم السياسية . بهذا المفهوم تكون فلسفة العلوم وثيقة الصلة بالابستومولوجيا - نظرية المعرفة - والانتولوجيا أو الانطولوجيا - الكينونة أو الوجود - فهي تبحث عن أشياء مثل : طبيعة وصحّة المقولات العلمية ، طريقة إنتاج العلوم والنظريات العلمية ، طرق التأكّد والتوثيق من النتائج والنظريات العلمية ، صياغة وطرق استعمال الطرق العلمية المختلفة أو ما يدعى بالمنهج العلمي ، طرق الاستنتاج والاستدلال التي تستخدم في فروع العلم كافّة ، وأخيراً تضمينات هذه المقولات والطرق والمناهج العلمية على المجتمع بأكمله وعلى المجتمع العلمي خاصّة . .