السيد كمال الحيدري
60
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وعلى أيّ حال ، فإن هذا المنهج التفسيري قد خدم الهدف التفسيري وهو تكريس مفهوم الهداية ، باعتبار أن القرآن الكريم هو كتاب هداية بالدرجة الأساس ، وأن كلّ ما عدا ذلك ينبغي أن يكون متفرّعاً على هذه المحورية . ووجه الخدمة المعرفية التي قدّمها هذا المنهج العلمي التجريبي يكمن في مواجهة خصوم القرآن الذين عادةً ما ينطلقون من إشكالية عدم إمكان إخضاع المعارف القرآنية للتجربة ، وبذلك يكون القرآن مجرّد كتاب وعظيّ لا يتوفّر على معارف حقيقية . وهنا يُحاول هذا المنهج إبطال هذه الفرية من خلال إخضاع العلم لمعطيات القرآن وإثبات مجموعة كبيرة من المعاجز العلمية للقرآن ، وذلك لإخباره بها قبل عصر العلم بعدّة قرون . هذا وقد اعتبر جملة من الأعلام أن هذا المنهج التفسيري هو أقرب للتطبيق منه للتفسير « 1 » ، وقد اختلف اختلافاً كبيراً في اعتماد نتائجه ، فأفرط قوم والتزموا به لا غير ، مُحمّلين النظريات العلمية - التي ثبت بطلان الكثير منها فيما بعد - على القرآن ، فجعلوا أنفسهم ناطقين عن القرآن يقبل ما يقبلونه وينفي ما ينفونه « 2 » ، وفرّط قوم آخرون ، فأنكروا أن يكون للقرآن أيّ صلة بالعلوم وأنه مجرّد كتاب جاء ليبيّن أحكام الآخرة وما يتعلّق بها « 3 » ، والصحيح في المقام هو أن المعطيات العلمية التجريبية إذا كانت مؤيّدة لنصوص قرآنية قطعية الدلالة أو ظاهرة في ذلك قبلنا بها ، وعندئذ تدخل في مجال الإعجاز
--> ( 1 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 7 . ( 2 ) انظر تفسير ( الجواهر في تفسير القرآن ) للطنطاوي . ( 3 ) انظر : من المتقدّمين كتاب : ( الموافقات في أُصول الشريعة ) للفقيه الأندلسي أبي إسحاق الشاطبي ، نشر دار المعرفة ، بيروت . ومن المتأخّرين كتاب : ( التفسير والمفسّرون ) للدكتور محمد حسين الذهبي المصري ، نشر دار الكتب الحديثة . .