السيد كمال الحيدري

42

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وبذلك يتّضح لنا أهمّية المنهج في البحث العلمي ، فمن سلك طريقاً بحثياً علمياً دون أن يُحدّد له منهجاً في رتبة سابقة ، وقع في الهلكات المعرفية ولا يزيده البحث في إثبات مدّعاه إلّا بُعداً عنه ، وهو مصداق لِما يُروى : ( العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلّا بُعداً ) « 1 » ، والبصيرة في المقام هي المنهج والدليل . ولا يخفى أنّ تحديد المنهج المتبّع بحثياً في رتبة سابقة ، لا يقلّ أهمّية عن نفس المنهج ؛ فإنّ الوقوع في فوضى الأدلّة بسوقها كيفما اتّفق سوف يُفسد العملية الاستدلالية حتى مع كون الأدلّة متقنة بحدّ ذاتها . إنّ موقعية المنهج في العملية الاستدلالية عموماً وفي العملية التفسيرية خصوصاً ، يكشف النقاب لنا عن الفوضى البحثية التي وقع فيها عدد كبير من أعلام المسلمين في مصنّفاتهم المختلفة وفي مختلف المجالات . وإذا جاز لنا تقسيم العرف إلى عرف عامّي وآخر خاصّي علمائي ، فإنّ نسبة كبيرة من مصنّفات علماء المسلمين قد سلك فيها أصحابها العرف الخاصّي في عرض أفكارهم وأخذ النتائج عنها ، وهذا السير المعرفي غير المنهجي لا يعفيهم من مسؤولية إعادة النظر فيما كتبوه ، فإنّ العرف الخاصّي لا يُصحّح العمل به لعدم ارتكازه على ضوابط صحيحة ، ولذا تجد في أبحاث علم أصول الفقه - مثلًا - مجموعة غير قليلة من المسائل الفلسفية والمنطقية والكلامية والرجالية واللغوية « 2 » ، وهذا الاضطراب المنهجي نتج عنه مشاكل معرفية

--> ( 1 ) الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 43 ، ح 1 . ( 2 ) لا يخفى على المتتبّع وقوع الخلط الكبير والفوضى التصنيفية في أكثر مصنّفات العلوم الإسلامية ، حتى أنّ البعض يتعذّر باقتحام أبحاث أجنبية عن محلّ كلامه بأعذار لا تمتّ إلى العملية الاستدلالية بصلة ، كاستجابة المصنّف لمن لا يسعه ردّهم ، ولعلّ الطلب منه - على فرض وقوعه - واستجابته لهم يدخلان ضمن خطوط ومقوّمات العرف الخاصّي ! .