السيد كمال الحيدري

403

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

فهم القرآن والعلم التنويري ( الكسبي ) إنَّ مُعظم العلوم الكسبية ، وفق ما تقدّم وما سيأتي ، تُشكّل حلقة مهمّة في بناء شخصية المُفسّر للقرآن الكريم ، وكلّما اتّسعت دائرته المعرفية كان أقرب إلى معاني النصّ وأهدافه القريبة ، ولكنه طريق لا يخرج عن كونه يُري الطريق لصاحبه دون أن يضمن له التحقُّق بالمعارف القرآنية ، ومن ثمَّ فهذه المعرفة البرهانية الصورية لا تمنحه فرصة الارتقاء الحقيقي ، فإنَّ الصور الذهنية تقتضي التحرّك باتّجاهها خارجاً ولكنها لا تُوجب ذلك ، وبالتالي فإنَّ الهدف الغائي سيكون بمنأىً عنه . ما نُريد قوله حصراً هو أنَّ جميع العلوم الكسبية التي يحتاجها المُفسِّر تبقى أسيرة نفسها ، ممَّا يعني أنَّ المستويات العُليا للنصّ القرآني سوف تبقى بعيدة المنال عن المُتوسّل بالعلوم الكسبية ، وقد عرفت في السطور الأُولى من هذه الدراسة بأنَّ القرآن الكريم على مراتب أربع : العبارة والإشارة واللطائف والحقائق ، وأنَّ القدر المُتيقَّن : أنَّ المرتبة الثالثة والرابعة بعيدتا المنال عن القارئ المُتخصّص ، وأما الثانية فمشكوكة التحصيل أيضاً ، وأما الأُولى فهي مجاله الفعلي إن ألمَّ بها وبجميع شروطها ، وهي على تحصيلها لا تعدو عن كونها مرتبة العوامّ ، فقد ورد في الحديث أنَّ العبارة للعوامّ « 1 » . فإذا كان الأمر كذلك ، وهو كذلك ، فما الذي يُمكن عمله لنيل تلك المراتب الثلاث ، أو على الأقل الخروج من دائرة العبارة والعوامّ إلى دائرة الإشارة والخواصّ ثمَّ اللطائف والأولياء ؟ لا شكَّ أنك عرفت الإجابة الإجمالية من خلال ما تقدّم في موضوعة العرفان وتفريعاته ، ولكننا نحتاج إلى توضيح أكثر لنقترب أكثر من النظرية

--> ( 1 ) انظر الحديث في : بحار الأنوار : ج 89 ، ص 20 ، ح 18 ، وقد تقدّم في الفصل الأوّل من الباب الأوّل ، تحت عنوان : ( التفسير الإشاري ) . .