السيد كمال الحيدري

402

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

بقي أن نُنبّه إلى أنَّ مراتب الطهارة الواقعية على المستوى الثاني والثالث الإيمان الصحيح والحقيقي ، أما الصحّة فعمادها العقيدة الحقَّة ، وأما الحقيقة فيُراد بها الإخلاص ، وبالتالي فإنَّ الصحّة تُعبِّر عن مستوى معرفي أوّل ، والإخلاص يُعبِّر عن مستوى معرفي أشرف وأرفع من الأوّل ، وهذان المُستويان مقدّمتان ضروريتان للطهارة الثانية ، والكلّ بمجموعه مقدّمة للطهارة الثالثة . ولعلّ هنالك إشارة إلى هذه الطولية في قوله تعالى : . . . يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( المجادلة : 11 ) ، فالذين أُتوا العلم درجات هم أرفع من الذين آمنوا فحسب ، لأنهم جمعوا بين الإيمان والعلم ، وإنما رفع الله تعالى العلماء درجات بعد أن نالوا العلم بقدم الإيمان . فتحصَّل لدينا بأنَّ الإيمان بصحّته وحقيقته والطهارة ببُعديها الثاني والثالث مراتب معرفية تنهض بالقارئ إلى مُستويات تعجز عن تحصيلها العلوم الحصولية كافّةً ، فإنَّ الكثير من الأخطاء التفسيرية فضلًا عن التأويلية منشؤها القصور في تلك الميادين الأربعة ، فإذا ما أراد القارئ المُتخصِّص بلوغ تلك المراتب الرفيعة فعليه بمواكبة هذه الميادين المعرفية تحصيلًا وتحقيقاً ، ولذلك شواهد مُعتدٌّ بها ، شمخت في جُلّ تلك الميادين الأربعة « 1 » .

--> ( 1 ) في جميع المُدوَّنات التفسيرية لم أعثر على شاهد مُعتدّ به غير العلامة الفذ السيد محمد حسين الطباطبائي قدّس سرّه ، الذي يصدق في حقّه أنه أنسى السابقين وأتعب اللاحقين ، وقد نقل لي أحد أساتذتنا الأكابر بأنَّ السيد الإمام الخميني قدّس سرّه لم يكتب في جميع مراسلاته ومُكاتباته لقب : ( آية الله ) إلا للسيد الطباطبائي ، وقيل بأنَّ السرَّ في ذلك يعود إلى أنه قدّس سرّه يرى بأنَّ هذا اللقب إنما يستحقّه من كمُل عقله وطهُر قلبه ، ولعلّه أراد أن يُؤكّد لنا أهمية تحصيل الطهارة ، لا أن يحصر اللقب بذلك ، لأنَّ الحصر بذلك مُخالف للسيرة العُلمائية التي تُطلق هذا العنوان على من بلغ رتبة الاجتهاد في الفقه . .