السيد كمال الحيدري
401
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الطهارة والإيمان سُلَّمان معرفيان من الواضح بأنَّ هنالك سُبلًا للسالك والمُريد يتوسَّل بها لنيل مقاصده الكمالية ، وهي ما تُسمَّى بمسالك السالكين ، وهي على اختلاف مراتبها تدور حول محور واحد ، وهو الطهارة بمراتبها الثلاث ، وهي : الأولى : طهارة البدن ، وهي البُعد الظاهري . الثانية : طهارة القلب من وجود الأغيار ، وذلك بقطع وشائجها والولاء لها ، وهي البعد الباطني الأوّل ، الذي يمثّل السقف الأوّل من التوحيد . الثالثة : طهارة القلب من التفكّر بالأغيار ، وذلك بالحضور الدائم في ساحة قُدسه ، حيث تبطل حكاية كلّ موجود عن نفسه ، وتنحصر حكايتهم عنه سبحانه ، وهو مقام : وَلِلهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 115 ) ، ومصداقه ما كان عليه إمام المُوحّدين علي عليه السلام حيث يقول : ( ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه ) « 1 » ، وهو المقام الأرفع في التوحيد بمراتبه الثلاث ، الذاتي والصفاتي والأفعالي ، لا يناله إلا من أوصد أبواب حاكمية عالم المادّة مُطلقاً . إذا اتّضح ذلك فاعلم بأنَّ الطهارتين الأُولى والثانية ليستا مقاماً معنوياً فحسب ، وإنما هما مقامان معرفيان ، وبالتالي فإنهما سُلَّمان معرفيان حقيقيان ، وإذا كانا كذلك فإنه يتّضح لنا مدخليتهما في قراءة النصّ القرآني ، ولذلك نحن نُؤكّد كثيراً أنَّ شخصية المُفسّر يجب أن تتّصف بالطهارة المعنوية ذات الأثر المعرفي ، ولو على القدر المُتيقَّن من الطهارة الثانية ، أعني : طهارة القلب من وجود الأغيار ، فذلك أمر يختصر عليه الطريق ، ويفتح أمامه نوافذ جمّة لأسرار القرآن الكريم ، وهي النافذة الحقَّة للكون .
--> ( 1 ) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية : ص 22 . .