السيد كمال الحيدري
40
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وسوف يجد المتتبّعُ السعيَ الحثيث في أبحاث آية الكرسي التفسيرية نحو إبراز الهدف الأقصى من سائر المعارف الإلهية وأصل الخلقة والوجود وهو معرفة الله سبحانه ، فآية الكرسي تحاول أن تُوجز لنا ذلك الهدف المعرفي الغائي ، وسوف نُوضّح ذلك جلياً عند الشروع في تفسيرها حيث سيتأكّد لنا آنذاك أنّ القرآن الكريم - باعتباره طريقاً معرفياً إلى الله تعالى « 1 » - بصفته الكلّية يهدف إلى تحقيق البعد المعرفي الغائي الكامن في معرفة الله سبحانه ، وأنّ هذه المعرفة الغائية انبسطت في النصّ القرآني ابتداءً من بائه إلى سينه « 2 » ، لينقطع بعدها السؤال عن حصول التحقّق المعرفي ، وحيث إنّ هذا الانبساط « 3 » لا يتسنّى لكلّ أحد إلّا لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( ق : 37 ) ، وكان ذا حظّ عظيم ، فقد وضعت علائم ودلالات عليه أوجزت لنا ذلك السفر المعرفي ، ومن جملة علائمه المعرفية آية الكرسي . بعبارة أخرى : إنّ القرآن الكريم وضع في سلّمه المعرفي كمّاً كبيراً من المفاتيح المعرفية على صعيد التحقيق والتحقّق معاً لتحقيق هدفه المعرفي الغائي - كما هو واضح - الذي به تكتمل الرؤية الكونية الإلهية . وعلى أيّ حال ، فقد تبيّن لنا ممّا تقدّم أنّ الرؤية الكونية الإلهية لا تنفكّ أبداً عن المعطيات المعرفية القرآنية ، والقراءة القرآنية يعسر الوصول إليها بدون العملية التفسيرية ، وبذلك تتبلور لنا أهمّية التفسير وتشكّل لدينا رؤية
--> ( 1 ) للوقوف على طريقية القرآن الكريم إلى معرفة الله سبحانه ينظر : كتاب ( معرفة الله ) ، المصدر السابق : ج 2 ، ص 137 . ( 2 ) ( من بائه ) إشارة إلى باء البسملة ، وهو أوّل حرف في القرآن الكريم ، و ( إلى سينه ) إشارة إلى سين الناس ، وهو آخر حرف في القرآن الكريم . ( 3 ) المراد بالانبساط هو السعة المعرفية التي أشرقت في باء البسملة الأُولى واكتملت في سين الناس من آخر كلمة منه . .