السيد كمال الحيدري

380

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وهذا الانصباب على الموضوع الذي انتهى أمد حكمه وأصبح خلواً ومسرحاً لتقبّل حكم جديد ، يُقرِّبنا من فكرة مجازية النسخ ، بمعنى أنَّ إطلاق النسخ الاصطلاحي وتسمية بعض النصوص بالناسخة وأُخرى بالمنسوخة إنما هو ضرب من المجاز ، فالنسخ اللغوي - كما تقدّم - من معانيه إزالة شيء بشيء يتعقّبه ، وهذا غير متحقّق على نحو الحقيقة والواقع ، فالمتحقّق صورة إزالة ، لا الإزالة الحقيقية ، إذ لا شيء باقٍ ليُزال من موضعه ، وهذا هو معنى المجازية في المقام ، والغريب أنَّ مجازية النسخ قد غفل عنها كثير من المُحقّقين . إذا اتّضح ذلك نكون قد اقتربنا كثيراً من معنى الناسخ ومعنى المنسوخ ، فالناسخ هو الحكم الذي حلَّ محل الحكم الذي انتهى أمده ، والمنسوخ هو الحكم الذي انتهى أمده فصار موضوعه مورداً لحكم آخر أُطلق عليه بالناسخ . والآن نحتاج أن نُمثّل بمورد هو محلّ اتفاق بين الأعلام في حصول النسخ فيه ، وهو آية النجوى ، حيث فرض الله تعالى على المؤمنين أن يتصدَّقوا على الفقراء قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله لمناجاته ، وهو قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( المجادلة : 12 ) ، فعزف القوم عن ملاقاة رسول الله ومُناجاته ، إمّا هرباً من التصدّق كما هو حال الأغنياء « 1 » ، أو لأنهم لم يجدوا ما يتصدَّقون به ، فلم يبق أحد في المدينة إلا وقد

--> ( 1 ) أقول : لقد عُرِف عن البعض من عِليَّة القوم كثرة التصدّق في سبيل الله تعالى ، وأنَّهم تصدَّقوا بأموالهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله مرّتين ، والبعض تصدَّق بنصف ماله ، أو لم يبق من أموالهم الكثيرة درهم واحد ليتصدَّقوا به ؟ ! أو لم يكن لقاء رسول الله صلى الله عليه وآله أولى من حفظ الدينار والدرهم ؟ ! فلم يكن للتصدّق سوى الأُخيشن في ذات الله ، وربيب رسوله صلى الله عليه وآله ، فأفرغ ما في جيبه الذي ما عرف الجمع أبداً ، وتقدَّم ليلقى أخاه وصهره وابن عمّه والمُوصِي به . .