السيد كمال الحيدري
365
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
نعم ، القول بتواتر القراءات السبع أو العشر حصراً لا يُمكن الركون إليه ؛ لعدم قيام الدليل الحجّة عليه ، وأما القول بوجود قراءات معيّنة ، فهو الأقرب للأجواء الروائية ، بمعنى أنَّ ما هو مقروء في الرسم القرآني الحاضر وما نبّه إليه أئمّة أهل البيت عليهم السلام من قراءات أُخرى لجملة من النصوص القرآنية ينتهي بنا إلى وجود أكثر من قراءة ، حتى وإن حصل لدينا قطع ببطلان بعضها أو صحّة أحدها . فما نريد قوله هو أنَّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام قد بيّنوا لنا بعض القراءات الصحيحة المخالفة لما هو مشهور ، وهذه البيانات المعصومة لم تلغِ ما تناهى إليهم من قراءات القوم ، حيث أجازوها ولم يصرّحوا ببطلانها ، بدليل ما نحن عليه اليوم من الالتزام بها ، وكلّ ذلك يعني وبوضوحٍ وجود أكثر من قراءة واحدة . وأجود الأقوال لنبذ الخلاف هو الالتزام بما هو مُدوَّن فعلًا في القرآن الكريم ، فإنَّ رسمه وتشكيله محلُّ وفاق المسلمين ، فلا حاجة للركون إلى احتمالات عسيرة الإثبات ، لاسيَّما أنَّ القراءات الاحتمالية تُعرّض النصّ إلى مقدار من التشتّت ، وقد تؤدّي إلى إضعاف الوجه البلاغي ، وما يُقال بالمصلحة التسهيلية في أصل التعدّد في القراءات غير مُتحقّق ، فالتعدّد كان مُوجباً لاختلاف الأُمّة ، حتى وصل الأمر إلى ربط تواتر القراءات بالقراءات السبع ، ثم ربطها بتواتر القرآن ، وبالتالي فإنّ منكر تواترها يكون مُنكراً لتواتر القرآن ، وقد نُسب ذلك إلى ابن لب الأندلسي « 1 » ، وهو قول في غاية السقوط . إذن ففي صورة كون التعدّد غير موجب للخلاف والاختلاف فلا مانع منه ، وإلا فالصواب الذي يُوصد أبواب الخلاف هو الالتزام بالرسم القرآني وتشكيلاته التي هي محلّ وفاق ، وقد عرفت ذلك .
--> ( 1 ) انظر : مناهل العرفان ، للزرقاني : ج 1 ، ص 383 . .