السيد كمال الحيدري

333

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

الأوّل : ما هي طبيعة المتكلِّم وخصوصياته ؟ وهنا ينبغي تحديد هويّة وخصائص المتكلِّم ، ومن الواضح بأنَّ صاحب النصّ القرآني هو الله تعالى ، جامع الكمال والجمال والجلال المطلق ، فلا يصدر منه إلا الخير ، ولا يقول إلا الحقّ ، ولا يُخبر إلا بالصدق ، فعندما يقول : وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ( الذاريات : 6 ) ، فهو واقع لا محالة ، وعندما يقول : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ( الطور : 7 ) ، فهو كذلك ، فالأوّل وعد والثاني وعيد ، وكلاهما واقع ، إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ( المرسلات : 7 ) ، وهذا واضح . وفي ضوء ذلك عندما نجد الصورة الظاهرية التي يتحدَّث عنها النصّ مخالفة لمجريات النصّ لا يصحّ لنا التشكيك بمفاد النصّ ، لأنَّ ذلك يعني الإغفال عن خصوصيات المتكلِّم ، كما في قوله تعالى بشأن بيته الحرام : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً . . . ( آل عمران : 97 ) ، ولك أن تسأل : كيف يكون الداخل آمناً وقد وقعت حوادث جمَّة بعد نزول الآية عكست لنا الهتك والتعدّي ، حتى هُدمت الكعبة مرَّتين « 1 » ، وصار الداخل في بعض الأزمان لا يأمن على نفسه ؟ والجواب : أنَّ الأمن المراد به هو الأمن التشريعي لا التكويني ، فالبيت قد يتعرَّض للفيضان وقد يتعرَّض للاحتراق وقد يتعرَّض للهدم ، وهذا شأن تكويني ، ولكنَّ المراد من الأمن هو أنَّ على المسلمين أن يطبِّقوا الحكم الشرعي بعدم التعدّي على الداخل إلى البيت الحرام ، فمن تعدَّى ذلك ارتكب حراماً . إنَّ هذه النكتة الدقيقة والثمينة تعكس لنا التفكّر والتدبّر في كلمات الله تعالى ، وأن ننطلق في مجال تفسيرها من أرضية تُؤمن بحقيقة الكمالات المطلقة التي يتمتَّع بها المتكلِّم ، ولعلَّ كثيرين ممَّن يعتمل في خوالجهم وجود تنافٍ

--> ( 1 ) مرّة بأمر يزيد الطاغية الفاجر ، وأُخرى بأمر الحجاج الطاغية الفاسق . .