السيد كمال الحيدري
334
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وتناقض بين آيات القرآن الكريم غابت عنهم هذه الحقيقة الثابتة عقلًا ونقلًا ، والتي يهتف بها القرآن في أكثر من موضع ، وهو قوله تعالى : الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( البقرة : 147 ) ، الذي تكرّر بهذا المعنى والألفاظ في عدَّة موارد « 1 » ، وفي هذه الآية نكتة في غاية الأهمّية تُقَرِّبنا أكثر ممَّا نحن فيه ، وهي حصر الحقّ به تعالى ، فالألف واللام هنا سواء أفادت الحقيقة والجنس أم الاستغراق تدلّ على المطلوب ، وعليه فكلّ شيء لا ينتمي لذلك الحقّ فهو بطلان محض ، وحيث إنه قال سبحانه : لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( فُصّلت : 42 ) ، فذلك كافٍ ، وفيما عدا ذلك دعاوى باطلة محضاً ، شكلًا ومضموناً ، . . . فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ( يونس : 108 ) . وقبل الانتقال نوَدّ أن نُثير قضية ذات بُعدين ، أحدهما في غاية الأهمّية والخطورة ، تتعلَّق بالخطابات القرآنية وشخصية المتكلِّم ، وهما : البعد الأوّل : إنَّ القرآن ينقسم إلى قرآن مكّي وآخر مدنيّ ، وهذا معلوم ومفروغ منه ، ولكن ما لا يُعلم جيداً هو امتيازات الخطابين على مستوى الشكل والمضمون ، فالخطاب المكّي امتاز بالإجمال وبالإيجاز الشديد ، وبالاستفادة من المُحسِّنات اللفظية ، لأنَّ أهدافه اقتضت ذلك ؛ السعة في الوصول إلى المقصد والتركيز على الألفاظ الجذّابة ، ولعلَّ موضوعها العامّ ، وهو التعريف بأُصول العقيدة ، ساعد الخطاب المكّي في ذلك ، لأنَّه خطاب توجَّه إلى ساحة الفطرة المجبولة على الإقرار بوجود الله تعالى ووحدانيّته ، في حين نجد الخطاب المدني ينتقل بنا إلى البسط والتفصيل ، وتكاد أن تغيب فيه المُحسِّنات اللفظية ، لأنه يتعاطى مع أُناس مؤمنين ، والذي نراه في المقام هو أنَّ الخطاب المدني هو الأهمّ من بين الخطابين ، ولسببين : الأوّل : مساحة الخطاب
--> ( 1 ) وقد تكرر هذا المعنى ثماني مرات وبألفاظ قريبة جداً ، وبعضها جاء متطابقاً تماماً . .