السيد كمال الحيدري

324

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

فمفردة ( القلب ) مثلًا لها معناها اللغوي المعلوم ، حيث تُطلق عادة على العضلة النابضة في الجانب الأيسر من الصدر ، وهو معنى قد استعمله القرآن أيضاً ، ولكنه لم يتوقَّف عنده أبداً ، وإنما استعمل هذه المفردة في معنى آخر ، وهو الأكثر ، كما في قوله تعالى : . . . فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ . . . ( البقرة : 97 ) ، و : . . . وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( الكهف : 28 ) ، و : إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( الشعراء : 89 ) ، و : خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ . . . ( البقرة : 7 ) ، و : . . . لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا . . . ( الأعراف : 179 ) ، وغير ذلك من عشرات الآيات ، وبذلك يتعيَّن على المُفسِّر مُراعاة هذه الحقيقة القرآنية في تشخيص معاني المفردات ، وهذا لا يعني إغفال معانيها اللغوية ، وإنما عنينا عدم الاقتصار في تفسيرها عليها . سابعاً : عربية المفردات القرآنية لاشكَّ في وجود مفردات قرآنية غير عربية الأصل ، كما هو الحال بالنسبة للأعلام الأجنبية ، من قبيل : إبراهيم وإسماعيل ويُوسف ، وهذا أمر معلوم ولا غبار عليه ، وإنما الكلام في المفردات الأُخرى ، من قبيل : إستبرق ( الديباج الغليظ ) ، نمارق ( الوسائد المصفوفة ) ، طوى ( الوادي المقدَّس الذي كلَّم الله تعالى فيه موسى عليه السلام ) ، أبابيل ( الجماعات التي يتبع بعضها بعضاً ) ، سجِّيل ( الطين المطبوخ بالنار ) ، وغير ذلك ممَّا اختُلف في عددها ، بين مقتصد تجاوز الخمسين قليلًا ، وبين مُسرف تجاوز المئتين والخمسين مفردة . وعلى أيّ حال ، فما يهمّنا في المقام هو كيفية التعاطي مع هذه المفردات ، فهل يُرجع في تحديد معانيها إلى أصلها اللغوي في لغتها الأُمّ ، أو يُنظر في حاضرتها الجديدة ، وهو الاستعمال القرآني ، أو أنَّ هنالك طريقاً آخر يكمن في الرجوع إلى نفس اللغة العربية التي استوعبتها وألبستها معاني جديدة ؟