السيد كمال الحيدري
325
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
أمّا الرجوع إلى لغتها الأُمّ فذلك أمر لابدَّ منه في الأعلام الأعجمية ، لأنَّ القرآن الكريم لم ينظر في معانيها عند استعمالها ، وهذا واضح لأدنى طلبة العلم فضلًا عن فضلائهم ، وأمّا تعدية الحكم إلى المفردات الأُخرى فهو إسراف محض ، بل وجهل في لغة القرآن الكريم ، فلغة القرآن هي أشرف اللغات طُرّاً ، وهي ليست مساوية للّغة العربية كما يظنّ بعض المُفرِطين ، وليست منفكّة عنها كما يظنّ بعض المُفرِّطين ، أو المغرضين الذين لا يحملون للّغة العربية ودّاً ، ولا في تعاطيهم موضوعية ، وهم قلَّة لا خير فيهم . فالصحيح في المقام هو أنَّ النسبة بين لغة القرآن واللغة العربية العموم والخصوص من وجه ، فبعض مفردات القرآن ليست عربية ، وهو محلّ الكلام ، كما أنَّ مفرداته أخذت معاني لم يعهدها العرب آنذاك ، وإن كانت بقوالب عربية ، فجهة الافتراق الأُولى لها موردان ، وقد تقدَّم منّا بيان مصاديق المورد الثاني في موضوعة الحقيقة القرآنية ، وجهة الافتراق الثانية هي أنَّ بعض الكلمات العربية ليست قرآنية ، أي لم ترد فيه ، وهذا لا يُخالف فيه عاقل . ونأمل أن نُوفَّق أيضاً في دراسات تخصّصية أُخرى لتأصيل خصوصيات وامتيازات لغة القرآن ، وما نذكره في المقام هو بنحو الفتوى من أنَّ القرآن الكريم يمتاز عمّا عداه بكلّ شيء ، بمعاجزه ومعارفه ولغته أيضاً . ولكي يتّضح الموقف جلياً في سؤالنا الثلاثي التفريع نعود لنؤكِّد بأنَّ المفردات الجديدة المستلّة من لغات أُخرى ، لا نحتاج فيها إلى الرجوع للغتها الأُمّ ، كما لا نحتاج إلى الرجوع إلى اللغة العربية أيضاً ، إلا إذا كان استعمالها عربياً قبل أن يكون قرآنياً ، وأما إذا كان استعمالها البكر قرآنياً فلا مناص من الرجوع إلى الاستعمال القرآني ، وهذا يعني الرجوع إلى مداليل هذه المفردات في عصر النصّ ، ولا ريب بأنَّ هذه المهمّة ليست يسيرة ، بل هي عسيرة جدّاً ،