السيد كمال الحيدري

241

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

51 . اللغة فكر ومعطى حضاري ، لأنها تمثّل الانعكاس الأوّل لمقوِّمات الناطقين بها ، فاللغة لسان تُراث أصحابها ، ولذا فهي مستودع حقيقي للنتاج الديني الذي لا يأتي مجرّداً عن ظروفه الموضوعية وحواضنه الأساسية ، وإنما يأتي مُعبّأً بكلِّ ذلك ، وهذا ما يُفسّر بُطء حركة التغيير في اللغة إن لم تكن معدومة بالقياسات المعاصرة . 52 . اقترنت النصِّية من حيث الوجهة التأريخية بجذور علم الألسنيات بشكل يعسر تصوّر انفكاكهما ، وأما من حيث الوجهة المعاصرة فإن الألسنيات كعلم انطلقت بأفق أوسع بكثير من جذور النشأة ، حيث امتدّت لتشمل كلّ منتج لغوي ، فالنصّ في الألسنيات المعاصرة ليس له ملامح واضحة أو خلفية معلومة أكثر من كونه مُندرجاً في مجال اللغة . 53 . ينحصر النصّ التفسيري في حدود القرآن الكريم ، بل إنَّ النصّ التفسيري أضيق من ذلك ، لأنه يهتمُّ بالظاهر القرآني ، دون باطنه ، فهو خارج عن نصّية النصّ التفسيري ، ثمَّ إنَّ هذه النصِّية ليست صفة مُستحدثة يخلعها الآخرون على القرآن الكريم ، وإنما هي صفة وجودية مُلاصقة للقرآن الكريم وعرض ذاتي له مُنبثقة منه . 54 . إنَّ التأويلية قائمة على أساس التحرّك في عالم الخزائنية ، وعالم الخزائنية يمثّل الوجود الحقّي للقرآن الكريم ، ولذلك فإنَّ النتائج التأويلية إنما تتبلور في ضوء ما نتوفّر عليه من عالم الخزائنية . فحدود اللغة ، وإن كانت لا تُلغى البتّة ، ولكنها لا تُؤطّرنا حتماً ، ولذلك نقول بأنَّ النصِّية التأويلية تنطلق من النصّية التفسيرية . 55 . إنَّ الكشف العلمي مهما بلغ من مراتب رفيعة يبقى محدوداً بحدود المُنكشف له ، ولذلك يبقى عالم الخزائنية رحباً لا يسبر غوره إلا من أغلق دائرة السير وشمّ رائحة الوجوب .