السيد كمال الحيدري
212
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
قراءات نوعية وثقافات مزجية وقبليات تراكمية ، مُدّعياً الأصالة فيما يكتب ويقول ، مع أن الأصالة في ذلك تعني انتفاء الجذور ، وذلك أمر غير معلوم ولا مفهوم ، وهو أشبه ما يكون بعنقاء مغرب « 1 » . وربما يبتني التنصّل عن التناصّ ونقده على أساس شبهة قائمة على تصوّر وجود تنافٍ بين التناصّ والعملية الإبداعية ، فالإبداع في هذا التصوّر الضيق رهن بالجهد الفردي الخالص من كلّ شائبة ، ولكنها نظرة تعسّفية جدّاً لمفهوم الإبداع ، فالإبداع في مرتبته الأُولى يقوم على أساس فهم ما يقوله الآخرون ، أي أن نفس فهم الآخر هو صورة إبداعية ومن المرتبة الأُولى ، وأما البناء النصّي بعد قراءة الآخرين وتحاور النصوص وتبادل الأفكار فهو صورة إبداعية أيضاً ولكنه من الرتبة الثانية ، وعليه فمقتضى المهنية والعملية الإبداعية بأعلى مراتبها هو تبنّي التناصّ وعدم التنصّل عنه بالنحو المُتقدّم . وأخيراً فمن لطائف ما ذُكر في التناصّ : ما ذهب إليه الفراهيدي بأن التناد في قوله تعالى : وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ( غافر : 32 ) ، هو يوم التناصّ ، أي ينادي بعضهم بعضاً ، أصحاب الجنة أصحاب النار « 2 » . القراءة لا نُريد من القراءة المعنى اللغوي لها ولا الفهم العرفي لها ، وإنما نُريد منها ما حملته من مضمون جديد يدور بين الفهم والتفسير ، فالقراءة في عالم النصوص تعني السعي لفهمها أو تفسيرها ، ومن هنا تجدنا نُطلق عنوان القارئ المتخصّص
--> ( 1 ) عنقاء مغرب ( أو عنقاء المغرب ) مثلٌ يُضرب للشيء الذي استحال الوصول إليه ونيله ، فيُقال في ذلك : إنَّ الملك المعبود عنقاء مغرب ، إي : إنَّ الله تعالى مهما بلغ مقام السائر إليه وعظمة توفيقاته فإنه سوف يبقى بلحاظ المعبود في أوّل الطريق ، لأنَّ المقصود عنقاء مغرب استحالت معرفته معرفة إحاطية ، وعزّ الوصول إليه . ( 2 ) انظر : كتاب العين ، للخليل بن أحمد الفراهيدي : ج 8 ، ص 10 . .