السيد كمال الحيدري
194
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وحواضنه الأساسية ونتائجه البعيدة المدى ، ولذا فهو يأتي مُعبّأً بكلّ ما هو تأريخي الحركة ، كالنزعة العرقية أو الردود الشعوبية ، فاللغة كما قلنا معطى حضاري من الدرجة الأولى ، ولذا فهي تظلّ مخلصة لبيئتها ، وهذا ما يُفسّر لنا بوضوح بطء حركة التغيير في اللغة إن لم تكن معدومة بالقياسات المعاصرة . من هنا فنحن لا نجد هذا العلم بعيداً عن تراثنا الإسلامي ، بل لا نراه مولوداً خارج هذا الإطار ، فإن العملية التفسيرية - على سبيل المثال لا الحصر - ولدت وتنفّست في حاضرة هذا العلم ، غاية الأمر أن جملة من لغويي ومفكّري الغرب أبرزوه بنحو علم مُستقلّ ، ونحن لا نُريد أن نغمطهم حقّ الإبراز بقدر ما نُريد بيان قِدَم هذا العلم وأصالته وازدهاره في ضوء العملية التفسيرية في سطورها الأُولى ، وهذا ما يُنبّهُنا إلى مدى هيمنة التراث اللساني العربي آنذاك ، وكيف أن أهل الفنّ قد جعلوه مطيّتهم في سبر غور القرآن الكريم . كما أن تُراثنا اللغوي والأدبي والإعجازي حافلٌ بمحاولات جادّة في التصنيف الألسني ، وكشاهد على ذلك ما تركه لنا فقيه اللغة والبلاغة عبد القاهر الجرجاني في كتابه الجليل : ( دلائل الإعجاز في علم المعاني ) . بعد هذا التمهيد اليسير نكون قد ألمعنا إلى وجه الصلة بين النصّ وعلم الألسنيات ، فإن النصِّية قد اقترنت بجذور هذا العلم بشكل يعسر تصوّر انفكاكه ، هذا من حيث الوجهة التأريخية التي تحدّد لنا هويّة النصّ بخصوص نتاج المعصوم ، وأما في الوقت المعاصر فإن الألسنيات كعلم انطلقت بأفق أوسع بكثير من جذور النشأة ، حيث امتدَّت لتشمل كلَّ منتج لغوي ، فكلُّ ما هو مندرج في ضمن إطار اللغة ومكتوبٌ فهو نصّ ، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك « 1 » . فالنصّ في الألسنيات المعاصرة ليست له ملامح واضحة أو خلفية معلومة أكثر من كونه مُندرجاً في مجال اللغة ، ولكن هذا لا يعني انحصار
--> ( 1 ) انظر : عنوان : ( مفهوم النصّ ) من هذا الفصل . .