السيد كمال الحيدري

184

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وهكذا الحال في بعض أهداف المثل القرآني ، فإنها قد تعمل لأهداف أقرب لها من أصل تحقيق الهداية ، وإن كانت الهداية محتملة التحقّق ، من قبيل : هدف تحريك الإنسان باتّجاه القيم العليا ، قيمة التفكّر وقيمة التذكّر وقيمة العلم ، وغير ذلك من القيم الإنسانية . وهذا الأمر ليس ببعيد عنّا نظرياً وعملياً ، أما نظرياً فمن قبيل : خدمة بعض العلماء في اختراعاتهم لأجل العلم نفسه دون النظر إلى الثمرات العملية ، فهم ناظرون إلى نفس القيمة العليا التي يتضمّنها العلم نفسه . وأما عملياً فمن قبيل مدّ يد العون للمعوزين ، فقد يكون ذلك طلباً للأجر وهو السائد ، وقد يكون ذلك طلباً لراحة النفس وهو قليل ، وقد يكون ذلك لنفس القيمة الإنسانية التي تتضمّنها إعانة المعوزين . ففي الأمرين معاً كان المنظور هو القيمة الكمالية أو الجمالية أو الجلالية وليس الأثر المترتّب ، ولا شبهة بأن هذا النمط من الأداء الإنساني يحكي لنا علوّ النفس وتنزّهها عن فضلات العلم والعمل . ومنه تفهم ما كان عليه أمير المؤمنين علي عليه السلام في كلمته الخالدة : ( إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك ) « 1 » . وعلى أيّ حال ، فمساحة المثل القرآني أوسع من مساحة الهداية بأبعادها الثلاثة ، وإنها أقرب لمساحة أهداف القرآن التي هي أعمّ مطلقاً من الهداية كما عرفت . النكتة الثانية : إنَّ المثل إذا كان عرضياً فوجوهه مُقنّنة ومحدودة ، وأما إذا كان طولياً فإنه لا تنقضي مراتبه تبعاً للحقيقة والواقعية التي يحكيها المثل . وهذا يعني أن الحركة المعرفية سوف تكون أكثر اقتراناً بالمثل الطولي منها بالمثل العرضي ، ولذلك ينبغي للقارئ المتخصّص أن يُراعي هذه النكتة في قراءة المثل

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 41 ، ص 14 . .