السيد كمال الحيدري

180

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

، فلم يصفهم بالإبل أو الخيول ؛ إمعاناً بتوهين شأنهم ، فقد عُرف عن الحمار الحمق ، والأحمق يُودي بصاحبه إلى المهالك ، فهو الذي يضع الأشياء في غير مواضعها . هذا أوّلًا ، وثانياً : أنهم في تصدّيهم وكلماتهم وأصواتهم كالحمير أيضاً تتنفّر الأسماع منهم ، قال تعالى : . . . إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ( لقمان : 19 ) ، ولا ينبغي توهّم اختصاص ذلك باليهود ، فما هم إلا مثل قد ضُرب للناس ، وينبغي الاستماع له والتفكّر فيه ، ولا يُقال : مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا ، فذلك قول من . . . نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً ( الفرقان : 18 ) . الهدف الحادي عشر : بيان لطيف خلقه وعجيب صنعه قال تعالى : إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ( البقرة : 26 ) ، إنه مثل يُثير أمامنا قضايا مهمّة أُبرزت من خلال المشبَّه به ، منها أن الحقّ هدف أوحد ، وأن السير باتّجاهه يبقى هو الخيار الأمثل والإستراتيجية الحقيقية في حركة الإنسان المؤمن ، ولا ينبغي له أن يتنصّل عن ذلك في كلّ تفاصيل حياته ، فالأشياء الصغيرة - التي قد تتعارض مع الوضع الاجتماعي في نظر العرف - إذا كانت تخدم الحقّ أو تُقربه للناس فينبغي الالتزام بها ، هذا أوّلًا ، وأما ثانياً : فالمثل يستبطن الدعوة للتفكّر في أصغر مخلوقات الله تعالى ، حيث يتساءل الإنسان : ما الذي يُميِّز البعوضة لكي يُضرب بها المثل ، وهنا يُجيب الإمام الصادق عليه السلام عن ذلك في ذيل الآية ، بقوله : ( إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين ، فأراد الله تعالى أن يُنبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه ) « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 135 . .