السيد كمال الحيدري
181
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وهنالك مثل آخر يُضرب بحيوان صغير جدّاً أعجز العلماء على ما فيه من دقّة وقدرات ، وهو ما جاء في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ ( الحج : 73 ) ، هذا هو الخلق البديع والمثَل العجيب الذي يُشكّل حقيقة صارخة بوجه الذين يَدْعُونَ من دون الله إلهاً آخر . الهدف الثاني عشر : أهداف مشتركة وأخيراً تُضرب أمثال لنا ويراد بها مجموعة أهداف مشتركة في الوصول إلى حقيقة الهداية ، وهي أمثال كثيرة ارتأينا الوقوف عند اثنين منها ، أما الأوّل فقوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاء وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ( البقرة : 171 ) ، حيث يُثير أمامنا مسألة التقليد الأعمى وعدم التفكّر والتدبّر ، وهي من أهمّ المعوقات التي واجهت الأنبياء عليهم السلام والمصلحين في الأرض ، فالناس عادةً ما يعيشون النظرة الاستصحابية ، والتي مفادها : أبقِ ما كان على ما كان ، والغريب في ذلك كلّه هو أن الثوّار التأريخيين ودعاة التحرر في العالم ما إن تسنّموا مقاليد السلطة والنفوذ إلا وعادوا دعاة لتلك النظرة الاستصحابية ، إبقاءً على ما وصلوا إليه . إن التقليد الأعمى كاشف إنّي عن الكسل والخمول ، ولذا يصفهم المثل بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ، وذلك لأنهم لَا يَعْقِلُونَ ، لا يُريدون الخروج من مظلّة التقليد الأعمى ، أو بالأحرى لا يُريدون الخروج من برمجة البغبغائية والقردية ، فلا هم علماء ولا هم مُتعلّمون ، وإنما هم القسم الثالث من تقسيمات البشر . وأما المثل الآخر فهو قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( البقرة : 74 ) ،