السيد كمال الحيدري

174

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وهذه المراتب الثلاث تُشكّل ملامح التعقّل القرآني ، لأن التعقّل والفهم القرآني ليس عُرفياً مستقلًا عن العمل بمؤدّى النصوص ، وإنما شرطه العمل به ، فالقرآن ألزمَنا بالتدبّر فيه ، وأوقف الفهم على هذا التدبّر ، والتدبّر القرآني يعني العمل بمضامينه ، فيكون الفهم بالاصطلاح القرآني مُشتملًا على العمل بما فهمناه منه . وعليه فمن لم يعمل بما فهم من القرآن فهو ليس مُتدبّراً فيه ، ومن ثمّ فهو ليس من العاقلين ، وبالتالي فهو ليس من العالمين ، ومنه نفهم المراد من العلم هنا بالاصطلاح القرآني . قال الطباطبائي : ( فالأمثال المضروبة في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقّيها باختلاف أفهامهم ، فمن سامع لا حظّ له منها إلّا تلقّي ألفاظها وتصوّر مفاهيمها الساذجة من غير تعمّق فيها وسبر لأغوارها ، ومن سامع يتلقّى بسمعه ما يسمعه هؤلاء ثمّ يغور في مقاصدها العميقة ويعقل حقائقها الأنيقة ) « 1 » . وقال الرازي : ( إنّ العلم الحدسي يعلمه العاقل ، والعلم الفكري يعقله العالم ، وذلك لأنّ العاقل إذا عرض عليه أمرٌ ظاهر أدركه كما هو بكنهه لكون المدرَك ظاهراً وكون المدرِك عاقلًا ، ولا يحتاج إلى كونه عالماً بأشياء قبله . وأمّا الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلابدّ من عالم ، ثمّ إنّه قد يكون دقيقاً في غاية الدقّة ، فيدركه ولا يدركه بتمامه ويعقله إذا كان عالماً ، إذا علم هذا فقوله : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ يعني هو ضرب للناس أمثالًا وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها فلا يدركها إلّا العلماء ) « 2 » . فتحصّل لدينا أن ضرب المثل القرآني هو دعوة للعلم والتعقّل ، دعوة للتدبّر ، دعوة للعمل به ، فإن كان القارئ جامعاً لذلك فهو متعقّل للقرآن وهو من العالمين ، وهذا التعقّل والعلم حقيقي واقعي وليس أمراً اعتبارياً ، وهذا واضح .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 16 ، ص 132 . ( 2 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 25 ، ص 62 . والآية : العنكبوت : 43 . .