السيد كمال الحيدري
142
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الملائكة ، ولذلك ليس حضورياً فحسب بل هو أعلائي ليصحّ التقدّم وإلا صار مُساوياً للملائكة في رتبة العلم ، وهذه الأعلائية إنما تحقّقت من خلال ما يُناسب أشرف معلوم وهو الأسماء « 1 » ، وشرف التقدّم في المقام هو الشرف الوجودي الكمالي ، وليس ما ينتهي إلى الأُمور الاعتبارية ، ولو كان العلم حصولياً والشرف اعتبارياً لما استحقّ المتعلّم هذا نيل مقام خلافة الله تعالى في الأرض . ولو كان العلم حصولياً - كما فهم البعض - فلنا أن نسأل بأيّ لغة كان التعليم ذلك ؟ فلو افترضنا أنه كان باللغة العربية أو السريالية فذلك يعني أنَّ كلّ من لم يعلم هذه اللغة لا قيمة معرفية له ، وأنه سوف يبقى ممنوعاً من تعلّم الأسماء ما دام لا يجيد لغة الأسماء تلك ، وللزم أيضاً أن تكون هذه اللغة وسائر اللغات الأُخرى قد أبدعها الله تعالى ، في حين إن الله تعالى أوجد القدرة على إبداع اللغة وإن الإنسان استفاد من قدرته هذه . قال الطباطبائي : ( إنَّ العلم بأسمائهم كان غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء ، وإلا كانت الملائكة بإنباء آدم إيّاهم بها عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه ، ولم يكن في ذلك إكرام لآدم ولا كرامة ، حيث علَّمه الله سبحانه أسماء ولم يُعلِّمهم ، ولو علَّمهم إيّاها كانوا مثل آدم أو أشرف منه ، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حُجَّتهم . . . على أنَّ كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب والملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلّم ، وإنما تتلقّى المقاصد من غير واسطة ، فلهم كمال فوق كمال التكلّم ، وبالجملة فما حصل للملائكة من العلم بواسطة إنباء آدم لهم بالأسماء هو غير ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى . . . وآدم إنما استحقّ الخلافة الإلهية بالعلم بالأسماء
--> ( 1 ) لو كان العلم هنا حصولياً لما عرفنا شيئاً من حقيقة الإسلام ، فإن العلم المقصود هو المُستبطن للعمل ، وهذا لا يكون إلا مع الحضور ، فما جدوى علم من علم كلّ مفاهيم علم الأخلاق في كتاب جامع السعادات ولكنه لم يتحقّق بسعادة واحدة . منه ( دام ظله ) . .