السيد كمال الحيدري
143
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
دون إنبائها ، إذ الملائكة إنما قالوا في مقام الجواب : سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا ، فنفوا العلم . فقد ظهر ممَّا مرَّ أنَّ العلم بأسماء هؤلاء المسمَّيات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم ، دون مجرّد ما يتكفَّله الوضع اللغوي من إعطاء المفهوم ، فهؤلاء المسمَّيات المعلومة حقائق خارجية ، ووجودات عينية ، وهي مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب غيب السماوات والأرض ، والعلم بها على ما هي عليها كان أوّلًا : ميسوراً ممكناً لموجود أرضي لا مَلَك سماوي ، وثانياً : دخيلًا في الخلافة الإلهية ) « 1 » . القرينة الثانية : هي في قوله تعالى : ( ثمَّ عَرَضَهُمْ ) ، والكلام في عائد الضمير ( هُمْ ) ما هو ؟ هل هو الأسماء ، أو شيء آخر ؟ ولو كان عائداً على الأسماء اللفظية بالمعنى الحصولي فإن الضمير سوف يكون عائداً على أمر غير عاقل ، كما هو واضح . ولو كانت هي الأسماء اللفظية للزم أن يقول : ( ثمَّ عرضها ) لمقام تأنيث جمع غير العاقل ، فيكون التذكير قرينةً على كون العائد هو غير الأسماء ، وتُوجد قرينة أُخرى تدلّ على كون العائد هو غير الأسماء ، وهو قوله تعالى : ( فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاءِ ) ، وكلمة هؤلاء - وهي اسم إشارة - تُطلق على العاقل . فيتبيّن من ذلك كلِّه : أن الذي حضر للتعليم قد ارتبط علمه وتعليمه بمصداق ( هَؤُلاءِ ) ، وليس بأمر لفظي حصولي اعتباري ، بل ومحال أن يكون الأمر غير ذلك . القرينة الثالثة : يُمكن استفادتها من الآيات اللاحقة التي تُفصح عن كون العلم حضورياً شهودياً غيبياً خالصاً ، وليس هو علم الشهادة والحصول ، وفرق عظيم بين الشهادة والشهود ؛ قال تعالى : قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 116 . .