السيد كمال الحيدري

129

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ . . . ( النور : 35 ) ، في إشارة إلى الوسطية في السلوك بين الاستغراق في الرهبنة ( شَرْقِيَّةٍ ) والاستغراق في المادّية ( غَرْبِيَّةٍ ) ، ولذا فهي نور على نور ، وهكذا الحال في عشرات الآيات التطبيقية الأُخرى ، التي نأمل الوقوف عليها في دراسات أُخرى . جدير بالذكر أنَّ القرآن استعمل مفردة الرمز مرّة واحدة في قوله تعالى : قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ( آل عمران : 41 ) ، وقد اختلف المفسّرون في بيان هذه الرمزية وأسبابها « 1 » ، حيث ورد في جملة من الروايات أنه كان يُومئ برأسه أو بيده ، أو مطلق الإشارة . ولنا أن نتساءل عن نوع الاستثناء في الآية الكريمة ، فإن كان الاستثناء منقطعاً فتلك الإشارة الحسّية بيده أو برأسه أو بشيء آخر هي المعنيّة في الكلام ، وإن كان الاستثناء متّصلًا فلابدّ أن يكون التكلّم رمزاً من جنس الكلام العرفي الحاصل باللسان ، ولو خُلّينا نحن والآية فإنه ينبغي الالتزام بالأصل وهو كون الاستثناء متّصلًا ، فتكون النتيجة هي أنه كان مأذوناً له بالتكلّم العرفي اللساني ولكن بصورة مُقتضبة ، وحيث إنّ الاقتضاب ينبغي ألّا يكون مُخلًا فلابدّ من الرمزية في المقام ، والرمزية هي لكلّ تفصيل ، وفي هذه الرمزية دروس تربوية عظيمة قد نقف على تفصيلاتها في مناسبة أُخرى ، ولكن ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جُلّه . فمنها أن النعم مُطلقاً ينبغي أن تُقابل بالشكر ؛ قال تعالى : فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ

--> ( 1 ) قال الطبري : ( إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك فبشّرته بيحيى ، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إيّاه ، فأخذ عليه بلسانه ، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار ، فقال الله تعالى ذكره كما تسمعون : آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً . جامع البيان : ج 3 ، ص 352 . .