السيد كمال الحيدري
128
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
مساحة الرمزية في القرآن الكريم تقدّمت منّا الإشارة إلى مساحة الرمزية في القرآن ، وهي كما أسلفنا عسيرة التحديد أو التقريب ، بل هي مستحيلة الرصد البتّة ، وذلك لأن القرآن الكريم محال أن يلمّ أحدٌ بأطرافه ، بل مُحال الإلمام بأحد أطرافه « 1 » ، ولذلك سوف تبقى القراءة غير المعصومة مشوبة بكمّ هائل من الرموز ، ولا يُعلم أيضاً بأنَّ المعصوم هل سوف يُقدّم القراءة الكاملة للإنسانية أم أنه عليه السلام سوف يكتفي منها بما يُغطّي حاجة الإنسان إلى يوم يُبعثون . وهنا نجد بعض الأكابر يُحاكي هذه الحقيقة فيقول بأنَّ القرآن سوف يُحشر يوم القيامة بكراً ، وفي ذلك كناية عن عدم تتميم قراءة أطرافه . إنَّ الرمزية في القرآن الكريم لم تفرضها ظروف مُراعاة كلّ عصر ومصر ، لينهل منه القارئ أنّى كان ما يُجيب به عن إشكاليات عصره ، وإنما هنالك ظروف موضوعية أخرى عمّقت الحاجة إلى توسعة رقعة الرمزية في القرآن ، منها تربوية القرآن حيث اقتضت الإشارة إلى بعض المطالب الحسّاسة بدلًا من التصريح بها ، من قبيل قوله تعالى : . . . وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ . . . ( الممتحنة : 12 ) ، حيث الإشارة إلى الفاحشة ، وقوله تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ . . . ( المائدة : 75 ) ، في إشارة إلى حاجتيهما إلى دفع الفضلات ، ومن كان كذلك فهو لا يصلح للألوهية قطعاً ، وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً . . . ( الأعراف : 189 ) ، في إشارة إلى المواقعة والمقاربة ، وقوله تعالى : . . . زَيْتُونِةٍ لَّا
--> ( 1 ) يُريد بأطرافه خصوص القراءات التفسيرية والتأويلية ، فلا القراءة المفرداتية كاملة ، ولا الجُملية ، فضلًا عن الموضوعية والتأويلية . .