السيد كمال الحيدري
112
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الفوضى المطلقة ، وصارت النتائج المتوخّاة من رمزية النصّ المقروء عبارة عن إيحاء أو تعبير عن النواحي النفسية للقارئ نفسه لا للنصّ المقروء بشخصه . بعبارة أُخرى : إنَّ رمزية النصّ الديني قد ألقت بإرثها وتراثها وتوجّهاتها المواكبة لكلّ زمان ومكان لحاكمية الإيحاءات النفسية للقارئ ليُشكّل من مفردات النصّ ما هو يُريد لأن النصّ فاقد لصوته ، بل لا صوت له ! الجذور الفكرية للرمزية من خلال قراءتنا التأريخية للرمزية وجذورها الفكرية والعقدية معاً وجدنا بأن الرمزية لم تنطلق من رحم النصّ الديني تحديداً ، فهنالك جذور سابقة على الرمزية التقليدية الكلاسيكية ، وهذه الجذور فلسفية وفكرية ربما تكون قد انطلقت من الرؤى الجديدة التي جاء بها أفلاطون « 1 » في نظريته الموسومة بنظرية المثل « 2 » .
--> ( 1 ) أفلاطون ( 427 - 347 ق . م ) من أشهر فلاسفة اليونان ، عُرف بسموّ العقل وبُعد النظر في عوائد الأمم وأخلاقها ، تتلمذ على يد أستاذه الأعظم رائد مدرسة المشّاء سقراط لمدّة ثماني سنوات ، وبعد مقتل أستاذه غادر أثينا إلى إيطاليا فدرس عند فيثاغورس ، ثمّ عند تيودور في سيرين ، ثمّ سافر إلى مصر لدراسة علم الفلك ، ثمّ عاد إلى أثينا وأسّس فيها دار العلوم ، من آثاره : جمهورية أفلاطون ، احتجاج سقراط على أهل أثينا ، طيماوس الروحاني في ترتيب العوالم الثلاثة العقلية ، طيماوس الطبيعي ، أربع مقالات في تركيب عالم الطبيعة . ( 2 ) قال السيد الأُستاذ : ( هنالك فوارق رئيسية بين عالمي المثال والمُثل الأفلاطونية ، فإنّ عالم المثال وجود مجرّد عن المادّة وبعض آثارها ، وأمّا المُثُل فإنّها مجرّدة عن المادّة ذاتاً وفعلًا نظراً لتعلّقها بعالم العقول المجرّد عن المادّة ذاتاً وفعلًا ، بل هي عندهم عبارة عن مجموعة عقول صدرت عن آخر مرتبة من مراتب العقل الطولية ، وهذه المجموعة أو المُثل متقدّمة وجوداً على عالم المثال ، بل هي علّة له عندهم ، فضلًا عن علّيتها لعالم المادّة - وفقاً لكلمات جملة من القائلين بها - في حين يرى أصحاب مدرسة الحكمة المتعالية والقائلون بها أيضاً أنّ عالم المادّة معلول لعالم المثال لا للمُثُل . وحقيقة المُثُل - عندهم - صوّرت بوجود ربّ لكلّ نوع من الأنواع الموجودة في عالم المادّة ، ويكون ذلك الربّ هو الواسطة في وجود / / أفراد ذلك النوع والمدبّر لأمورها . فأفراد النوع الإنساني - مثلًا - صادرة من ربّ النوع الإنساني ، وهكذا الحال في سائر الأنواع الأُخرى حيث يكون ربّ نوعها علّة متوسّطة في وجودها ، ولذا سُمّيت هذه المُثُل الأفلاطونية بأرباب الأنواع . بعبارة أُخرى : إنّ الإشراقيين يرَون أنّ العالم العقلي له مراتب عديدة ، وأنّه قد صدرت من مرتبته الأخيرة عقول كثيرة بعدد الأنواع الموجودة في هذا العالم وهي المُثُل الأفلاطونية . فالمُثُل هي عقول صادرة عن المرتبة الأخيرة من عالم العقل ، وإنّها معلولة لتلك المرتبة ، وإنّها - أي المُثُل - علّة لما دونها من الأنواع الموجودة في عالم المادّة ، بل هي علّة أيضاً لعالم المثال . علماً بأنَّ المراد من العلّية - والربوبية - هنا خصوص العلّة الإعدادية لا العلّة الخالقة والمبُدعة ، فإنّه لا تُوجد علّة مُوجدة بمعنى الخلق سوى الله سبحانه تعالى ) . انظر : من الخلق إلى الحق ، للسيد كمال الحيدري : ص 30 ، دار فراقد . .