السيد كمال الحيدري

98

مقامات ومسؤوليات ائمة اهل البيت (ع)

المعالجة الأولى : بالذات وبالغير أن يقال إنّ الآيات الدالّة على انحصار علم الغيب بالله تعالى غايتها الدلالة على أنّ علم الغيب منحصر به تعالى بنحو الاستقلال وبالذات ، بمعنى أنّه ليس محتاجاً فيه إلى غيره أبداً ، وذلك لأنّ الله تعالى واجب الوجود بالذات وغنيٌّ عمّا سواه ، وعليه فهو مصدر ومنبع كلّ الكمالات ومنها علمه تعالى بكلّ شيء ، وهذا المعنى لا يشاركه فيه أحد ؛ لوحدة واجب الوجود بالذات . ومن الواضح أنّ هذا لا يتنافى ولا يتقاطع مع تلك النصوص القرآنيّة التي أثبتت علم الغيب لغيره سبحانه ممّن اجتباهم وارتضاهم من عباده الصالحين ، لمصلحة وحكمة تقتضي ذلك ، لكن على نحو التبعيّة والتعليم والإفاضة منه سبحانه ، لذا قال تعالى حكايةً عن النبيّ ( ص ) : لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ( الأنعام : 50 ) ، فهو يكشف عن فقره الذاتي ، إذ لا يملك من نفسه أيّ شيء ، إلّا أنّ ذلك لا ينافي أن يفيض الله تعالى عليه من نعمه ومنها العلم بالغيب ، لذا جاء في ذيل الآية : أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ( الأنعام : 50 ) ، وكذلك في قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ( النساء : 163 ) . قال الطباطبائي معقّباً على قوله تعالى : إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ : « استثناء من قوله ( أحداً ) و ( من رسول ) بيان لقوله : ( من ارتضى ) ، فيفيد أنّ الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختصّ به ، فالآية إذا انضمّت إلى الآيات التي تخصّ علم الغيب به تعالى كقوله : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعيّة ،