السيد كمال الحيدري

60

مفاتيح فهم القرآن

مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو حجم أو نوع إلّا ما بينهما من المناسبة وزناً . وهذه طريقة القرآن الكريم في تكليمه للناس ، فهو يصرّح أنّ الأمر أعظم ممّا يتوهّمه الناس أو يخُيّل إليهم . والآيات القرآنيّة المذكورة سابقاً كقوله تعالى : حم وَالْكتِابِ المُبينِ * إنّا جَعَلناهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لعّلكُمْ تَعْقلُونَ * وَإنَّهُ فِي أُمِّ الْكتِابِ لَدَيْنا لَعَلّي حَكِيمٌ ( الزخرف : - ) ظاهرة في أنّ هناك كتاباً مبيناً عرض عليه جعْله مقروءاً عربيّاً ، وإنّما أُلبس لباس القراءة والعربيّة ليعقله الناس ، وإلّا فإنّه وهو في أُمّ الكتاب عند الله تعالى عليٌّ لا تصعد إليه العقول ، حكيمٌ لا يوجد فيه فصول . وفي الآية تعريف للكتاب المبين وأنّه أصل القرآن العربي المبين ، وفي هذا السياق . وخلاصة الوجه الُمختار هو أنَّ القرآن الكريم بوجوده الخزائني الُمعبَّر عنه قرآنيّاً بذلك ، وبألفاظ أُخرى ، هو : أنّه مُحكم كلّه لا مُتشابه فيه ؛ نظراً لمكنة عالمه من ذلك . فلمَّا حان تفصيله في ألفاظ وقوالب تنتمي إلى عالم الحسِّ والمادّة ، اقتضى الأمر وقوع المُتشابه فيه بنحو لا معنى لتصوّر الاختيار فيه ، وبعبارة منطقيّة : إنَّ اقتصار ألفاظه ومعانيه اللغويّة على المُحكم وحده سالب بانتفاء الموضوع ؛ ولذلك فكلَّما ارتقى القارئ الُمتخصّص في عالم المجرّدات اشتدَّ إحكام القرآن عنده ، وكلَّما اعتنى بألفاظه استغرق بمُتشابهه ؛ فاللغة بطبعها تقتضي التشابه ، كما أنَّ التجرد المطلق يقتضي الإحكام بطبعه ؛ وعليه فإنَّ المتشابه لم يكن مقصوداً بذاته لوقوعه اضطراراً ، وإنّما قُصدت نتيجته التي بها