السيد كمال الحيدري

58

مفاتيح فهم القرآن

الحادي عشر : إنّ اشتمال القرآن على المتشابهات إنّما هو من اللوازم التي لا تنفكّ عن وجود التأويل للقرآن ، ومعنى ذلك أنّ الله سبحانه لم يجعل الآيات بنحو تنقسم فيه إلى محكمة ومتشابهة بحيث كان بالإمكان التحرّز عن ذلك ، وإنّما كان لا بدَّ من ذلك ؛ وهذه اللابديّة تفرضها طبيعة اللغة التي نزل بها القرآن الكريم ؛ وعدم المكنة من جعله محكماً تعود للقابل لا إلى الفاعل سبحانه ؛ فاللغة احتيج لها في عالم الحسّ والمادّة ، ولذلك فهي تنتمي إليه وإن كانت هي بحسبها أمراً اعتباريّاً ؛ وعالم الحسِّ موجب لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحسّ والمحسوس ؛ فإذا ما أُريد إيصال المعاني العليا ، الُمنبثقة من عالم التجرّد الُمطلق لعالم الحسّ فلا بدَّ لها أن تنزل في قالب يُلائم عالم الحسّ القائم على أساس التنوّع والاختلاف ، ومنه تفاصيل اللغة العربيّة ، فكان النزول في ذلك القالب مُقتضياً لتنوّع القرآن إلى مُحكم ومُتشابه . وهو الوجه المُختار عندنا ؛ وتوضيحه يتوقّف على ذكر مقدّمات : الأولى : إنّ الله سبحانه ذكر أنّ لكتابه تأويلًا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنيّة والأحكام والقوانين وسائر ما يتضمّنه التعليم الإلهي ، وأنّ هذا التأويل الذي تستقبله وتتوجّه إليه هذه البيانات أمرٌ تقصر عن نيله الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول ، إلّا نفوس الذين طهّرهم الله وأزال عنهم الرجس ، فإنّ لهم خاصّة أن يمسّوه . الثانية : إنّه لمّا كان عامّة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا