السيد كمال الحيدري

60

معرفة الله

بل ببواطن أخرى كلّها محظورة الحضور ومحرمة الظهور ، وهذا خلاف صريح للتقوى . بعبارة أخرى : إنّ هذا المُصلّي لغير الله تعالى قد حفظ التقوى الظاهرية الصرفة بتوجّه بدنه صوب القبلة الحقّة ولكنّه لم يحفظ توجّه بوصلة القلب نحو الحقّ ، فزاغ وعصف بها الهوى باتّجاهات مختلفة وحطّ بها طائر الخيال على أغصان زائفة ، فأيّ صلاة صُلّيت هذه ؟ ! وأيّ معبود قُصِدَ فيها ؟ ! إنّ التجافي عن دار الغرور ينبغي أن ينعكس ظلّه على الباطن فينصرف كلّه عن الكلّ إلى الكلّ « 1 » ، لتكون التقوى الحقّة المفضية إلى الفطرة الأولى والمُفضية هي الأخرى إلى عالم النور . ولا ريب أنّ ركوع القلب وسجوده باتّجاه القبلات المختلفة الأخرى إنّما هو دليل الأنس بها والوحشة عن قبلة الحقّ سبحانه ، فلا يُجمع في قلب واحد توجّهان وقبلتان إحداهما للحقّ والأخرى لسواه ، فإنّ الأُنس بالله تعالى مُستبطن للوحشة عمّا سواه ، ومن توهّم الجمع بين الأُنسين معاً ما عرف الأُنس بالله قطّ . فإذا ما اتّقى العبد ربّه بذلك النحو الطارد للأغيار ظاهراً وباطناً في سائر أعماله ، فسوف يكون موضعاً لقبوله ومحبّته . ومَن قُبلت بضاعتهُ

--> ( 1 ) إنّها كلمة عظيمة بليغة ، أراد بها سيّدنا الأستاذ ضرورة الانصراف القلبيّ الكلّي من قِبل العبد فلا يبقى في قلبه خاطر أو هاجس أو إشارة خارجة عن دائرة الانصراف هذه عن الكلّ الإمكاني بقضّه وقضيضه وأحرامه وشراشره إلى الكلّ الحقيقي وهو الله وحده ، إذ لا شيء سواه ولا وجود حقّيّ إلّا هو ، فهو بكلّ شيء متفرّد ولا شريك له ، فلابدّ أن يُقصد وحده إذ لا شريك له ، فهو لا شريك له في الوجود ، ولا شريك في الخالقية ، ولا شريك له في الرازقية . . . ولا شريك له في المقصودية أيضاً ، فانتبه .