السيد كمال الحيدري
53
معرفة الله
المنيعة التي تلبّس بها القلب . فالفيض الإلهيّ الخاصّ بكلّ خُلق كريم لا يوجد بعد حصوله وإنّما هو موجود دائماً وأبداً ولكن الخُلق الذميم المقابل له يمنع من ظهوره وتجلّيه على صفحات القلب . إنّ الفيوضات الإلهية موجودة وقريبة من الإنسان أيّاً كانت هويّته ومعتقده ، فهي قريبة حتّى من قلب المشرك والكافر فضلًا عن قربها من قلب المؤمن الفاسق فضلًا عن المؤمن السويّ المستقيم ، ولكن الموانع العرضية التي أوصدت منافذ القلب وحطّمت مصابيحه حجبت النور عن تجلّيها في القلوب . ( * ) وأمّا بالنسبة للحقيقة الثالثة وهي حضور الفيض مع عدم الالتفات إليه فمفاده أنّ التجلّيات الخاصّة بكلّ صفة كريمة تأخذ مجراها ولا يمنعها من الظهور القلبي شيء ، ولكن مع ذلك لا يُلتفت إليها نظراً لشدّة الاشتغال بالمادّيات . فالإنسان المنحرف إذا كان كريماً ربّما لا يلتفت إلى روحانية وقداسة هذه الصفة الإلهية ولا يستشعر أنوارها في قلبه ، ولا يقف على آثارها السلوكية وأبعادها العملية ، ولو التفت إلى ما هو عليه لكان له شأن آخر ربّما يأخذ بتلابيبه نحو اتّجاهات صائبة . إنّ عدم الالتفات إلى هذه الرحمات المعنوية والانعكاسات النورانية يكاد أن يكون أمراً طبيعيّاً وحاصلًا للسواد الأعظم من الناس ، فما من إنسان إلّا وله صفة حسنة ظاهرة أو باطنة لها تجلّياتها الخاصّة بها ، وفي الأعمّ الأغلب لا يُلتفت إليها ، ولكن عدم الالتفات إليها لا يُعطّل أثرها الوضعيّ الإيجابي على الإنسان وإنّما يُعطّل أثرها الإيجابيّ الآخر وهو إيجاد الدافعية نحو التمسّك بها أوّلًا والتخلّق بغيرها من الأخلاق الكريمة ثانياً ، فهي بدورها الأوّل أشبه بالأعضاء الباطنية الفاعلة في جسد الإنسان كالقلب