السيد كمال الحيدري

51

معرفة الله

امتلأ جسده بالقاذورات المادّية والروائح الكريهة ثمّ يُريد تعويض هذا النقص بوضع العطور الطيّبة ، فإنّ العطور الطيّبة مهما كانت فاخرة تبقى عاجزة عن تغييب تلك الروائح الكريهة المنبعثة من الجسد كلّه ، فلابدّ من الاغتسال أوّلًا ثمّ التحلّي بالعطور الطيّبة . فالطولية لا تعني إتمام مراسم المرحلة السابقة ثمّ الدخول في اللاحقة ، إنّما يُراد بها الطولية بين كلّ مصداق وما يقابله ، فإذا ما أُريد علاج مصداق من مصاديق الأخلاق الذميمة فإنّ المراد من رفعه وقلع جذوره من النفس هو تربية النفس على تجاوزه وطرده بواسطة الخُلق المقابل له . وبذلك يتّضح لنا أنّ كلّ مرحلة في حدود المصداق المراد معالجته تُوجب حفظ الطولية لا في المرحلة كاملة ، بعبارة أخرى : إنّه لا يُراد من الطولية أن يرفع الإنسان عن نفسه جميع الأخلاق الذميمة ثمّ ينتقل إلى مرحلة التحلية بالأخلاق الكريمة كاملة . وفي ضوء ذلك يتّضح لنا أنّ التجلّيات المصداقية هي الأخرى تبع لكلّ مرحلة في دائرة تحقّق المصداق الذي يعنيها لا أنّها تبع لإتمام المرحلة الكاملة . فمرحلة التجلّي لا تعني ضرورة إتمام المرحلتين السابقتين بجميع مراتبها ومفاصلها وخصوصيّاتها ، فذلك توهّم لا ينبغي الوقوع فيه ، وإنّما المراد هو أنّ كلّ معالجة جزئية من الأخلاق الذميمة يتبعها التزوّد بالخلق الرفيع الكريم المقابل لها ، وبالتالي حصول التجلّيات الخاصّة بهذه التزكية والتربية « 1 » الجزئيّتين ، إلّا إذا كان هنالك مانع آخر يدخل في استيفاء الشروط العامّة لا الخاصّة لحصول التجلّي الخاص بكلّ مفردة .

--> ( 1 ) التزكية تعبير آخر عن التخلية ، والتربية تعبير آخر عن التحلية .