السيد كمال الحيدري
32
معرفة الله
النكتة الأولى : إنّ هذه الطرق المتلوّة وغيرها ، كلّ واحد منها يُمثِّل مرتبة معرفية سواء بلحاظ الطريق نفسه أو بلحاظ السائر عليه ، بل إنّ مقتضى اختلاف الاستعدادات الأوّلية والمفردات والجُمل المعرفية التي ينطلق منها السائر يوجب اختلاف المراتب بحسب ما عليه السائرون أنفسهم . وهذا الاختلاف المعرفيّ المراتبي لا يقتصر على السائر نفسه ، بل يمكن رجوعه في بعض موارده إلى الطريق نفسه . فالاختلاف المراتبي قد يرجع إلى اختلاف مراتب الطريق أو إلى اختلاف مراتب السائرين ، وقد يرجع إليهما معاً . توضيحه : إنّ الآيات الآفاقية مثلًا ، وهي إحدى طرق معرفة الله سبحانه ، يتفاوت الكشف عنها من آن لآخر ، فقبل قرنين من الزمن وتحديداً قبيل اختراع المراصد الدقيقة التي اكتشفت من خلالها مجاميع هائلة من المجموعات الشمسية ، وهكذا الحال بالنسبة لعالم البحار وعالم الطاقة وعالم الظواهر الطبيعية لم تكن الآيات الآفاقية المكتشفة بهذا العدد الهائل ، لا بل لم يكن فهم ما سبق اكتشافه كفهمنا الحالي له ، وعليه فالذين تزوّدوا بالمعرفة التحقيقية بواسطة هذا الطريق سوف تختلف مراتبهم المعرفية بين السابق واللاحق . هذا بالنسبة للطريق نفسه ، وأمّا بالنسبة للسائرين أنفسهم فاختلاف استعداداتهم وقابليّاتهم وأوعيتهم أوضح من أن نقف عنده ، وهذا كلّه على مستوى الظاهر ، وأمّا على مستوى الباطن فإنّه لم يُعلم أنّ كلّ ما هو موجود الآن في عالم الإمكان بمراتبه الثلاث عالم العقل وعالم المثال وعالم المادّة هو موجود بجميع حيثيّاته وخصوصيّاته كما كان عليه في أوّل صدوره ، فلعلّ هنالك الكثير من العيّنات الخارجية لم يكن لها وجود في مرحلة سابقة