السيد كمال الحيدري

15

معرفة الله

جدير بالذكر أنّ المَثَلية في الحديث المتقدِّم هي بمعنى الآيتية والعلامتية والإشارتية ، لا بمعنى المشابهة والمِثْلِية ، فإنّ الله تعالى ليس كمِثْلِه شيء ، فضلًا أن يكون هنالك مِثْلٌ له . بعبارة أُخرى : إنّ المَثَلية في المقام يُراد بها المِثَال الذي فيه جهة الحكاية والإشارة والعلامة ، لا المِثْلية التي تعني الوجود المقابل والمشابه له . وقد استفيد هذا المعنى ( المَثَلية ) من قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام حين سُئل عن العالم العُلوي ، فقال : « صور عارية عن الموادّ ، خالية عن القوّة والاستعداد ، تجلّى لها فأشرقت ، وطالعها فتلألأت ، ألقى في هويّتها مثاله ، وأظهر عنها أفعاله » « 1 » . إنّ ما نريد أن نخلص إليه في المقام هو أنّ الإنسان ليس مخلوقاً مجرّداً بل هو مخلوق مفطور على شيء ، وهذا الشيء هو الكيفيّة المخصوصة المذكورة آنفاً التي عبّرنا عنها تارةً بحبّه وطلبه للكمال المطلق وتارةً أُخرى بمعرفة الله تعالى ، ولا نريد بذلك إيجاد معنيين مختلفين بل هما تعبيران لحقيقة واحدة . فالكمال المطلق هو عين معرفة الله تعالى بالنسبة للإنسان ، كما أنّ معرفة الله تعالى هي الكمال المطلق الذي يصبو إليه الإنسان . وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الفاطرية بقوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : الصراط المستقيم ، لعليّ بن يونس العاملي ، تحقيق محمد باقر البهبودي ، نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية ، الطبعة الأولى ، 1384 ه : ج 1 ص 222 . ( 2 ) الروم : 30 .