السيد كمال الحيدري
16
معرفة الله
نعم إنّها فطرة الله تعالى بتوحيده ومعرفته ولكن أكثر الناس لا يعلمون ؛ انغماساً منهم في صحاري الجهل ودهاليز الغفلة ، واندساساً منهم في تراب المادّة والنقص والقصور . لقد ذكرنا أنّ فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها تُغطّي المحاور المعرفية الثلاثة ، أعني : الإقرار بوجوده ووحدانيّته ومعرفته . أمّا الإقرار بوجوده فقد تقدّم بيانه في الأمر الأوّل ، وأمّا توحيده سبحانه فإنّه أي التوحيد على اختلاف مراتبه من حيث الشدّة والضعف يوجد منه القدر المتيقّن ( الخالقية والربوبية ) عند كلّ إنسان سويّ بمعنى الالتفات إليه ، وأمّا مراتبه العُليا فليست متوافرة لكلّ أحد ، فإذا ما توافرت لأحد فذلك تعبير آخر ووجه آخر لمعرفته سبحانه ، ولذلك نجد أنّ إجمال أبحاث العرفان النظريّ تتلخّص بمسألتين رئيسيّتين لا غير ، هما : 1 حقيقة التوحيد . 2 الموحّد الحقيقي . يراد من حقيقة التوحيد مراتبها الأعلائية لا القدر المتيقّن منها المتمثِّل بالخالقية والربوبية ، وهذه المراتب العُليا لا ينالها إلّا العارف الحقيقي ؛ ما يعني أنّ الموحّد الحقيقي هو العارف بالله سبحانه أو الإنسان الكامل لا غير ، ودون هذه المرتبة ينال الإنسان جانباً من التوحيد الحقّي بحسب سقفه المعرفي التحقّقي أو التحقيقي . إنّ هذا الأمر ينتهي بنا إلى نتيجة هامّة وهي أنّ فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا التي فُسّرت في روايات عديدة بأنّ المراد منها توحيده سبحانه تتضمّن الإشارة إلى معرفته الحقّة ، فلا توحيد بغير معرفة ، ولكن حيث إنّ المعرفة ذات مراتب فإنّ التوحيد يكون كذلك تبعاً لمصدره وهو