السيد كمال الحيدري

14

معرفة الله

بالفاطرية ، فالإنسان ليس مخلوقاً فحسب بل هو مفطور أيضاً على شيء آخر غير أصل وجوده ، وكيفيّة أخرى غير صدوره . وقد ذكرنا هنالك أنّ تلك الكيفيّة المخصوصة هي طلب الكمال المطلق وحبّ بلوغه ، وقد عرفت آنذاك أنّ هذا الطلب وذلك الحبّ اللذين يشتركان في متعلّق واحد وهو الكمال المطلق هما تعبيران آخران عن طلب وحبّ معرفة الله سبحانه . بعبارة أخرى : إنّ الترجمة الفعلية للكمال المطلق بالنسبة للإنسان هي حصول معرفة الله سبحانه ، وهذه المعرفة المطلوبة أو المُغيّى في أصل وسرّ الخلقة هي المعرفة الحقّة أو التحقّقية لا التحقيقية ، وقد عرفت ذلك . وعليه فالكيفيّة المخصوصة التي فُطر عليها الإنسان هي معرفة الله سبحانه لأنّها غاية الكمالات ومنتهى الوصال في السير المعرفيّ الحقّي . وإذا ما عرف الإنسان ربّه معرفة حقّية تحقّقية فإنّ دوائر النقص سوف تنحسر عنه فتُغلق دوائر الجهل والنسيان والسهو فضلًا عن إغلاق دوائر العصيان والتمرّد . وعندئذ لا يكون الإنسان عبداً محبّاً مطيعاً فحسب بل سيكون هو الحبّ نفسه والطاعة نفسها . بعبارة أخرى أدقّ وأوضح : إنّه سيكون عبداً محبوباً مُطاعاً ، ومعنى كونه مطاعاً هو ما جاء في الحديث القدسي : « عبدي أطعني حتّى أجعلك مَثَلي أقول للشيء كُن فيكون وتقول للشيء كُن فيكون » « 1 » .

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 102 ص 165 ؛ شجرة طوبى ، للمحدّث الجليل محمد مهدي الحائري ، نشر المكتبة الحيدرية ، الطبعة الخامسة ، 1385 ه ، النجف الأشرف : ج 1 ص 33 . وقد جاء في رواية البحار : « مثْلي أو مثَلي . . . » والصحيح هو ما أشار إليه السيّد الأستاذ .