السيد كمال الحيدري

61

معرفة الله

يوجب ترك الثقة بها والاعتماد عليها ، وليس في قوله : اذكُرْني عِنْدَ رَبِّكَ ما يُشعر بذلك البتّة » « 1 » . فالمطلوب هو ترك الثقة بتلك الأسباب لا عدم الاستفادة منها والاستعانة بها مطلقاً ، ولذا عبّر عن الاعتقاد بخلاف ذلك بأنّه أعظم الجهل ، وفي قوله هذا إشارة إلى أنّ هذا الاعتقاد الخاطئ مخالف للقرآن والسنّة الشريفة القطعية ، فضلًا عن منافاته للعقل والسيرة العقلائية القاضيين باعتماد الوسائل والوسائط المأذون بها وصولًا إلى الأهداف المشروعة . قد لا يُوجد فرق كبير بين وسائطية الأعمال اليومية كالزراعة والصناعة والتجارة وسائر أعمال الكسب ، وبين سائر العبادات كالصلاة والصوم ما دامت نيّة القربة لله حاصلة وخالصة من الأغيار . ونعني بعدم الفرق الكبير الفرق من جهة الوسائطية في تحقيق الأهداف . فمن اعتقد أنّ صلاته بما هي هي نافعة له ، فهذا شرك أيضاً ولا يفرق كثيراً عمّن اعتقد بأنّ الطبيب أو الدواء الكذائي شافٍ له . وعليه فوسائلية العبادات يجب أن يكون مأخوذاً فيها عدم استقلاليّتها في التأثير وجلب المنافع والخير ودفع المضارّ والشرّ ، كما هو الحال في وسائطية ووسائلية الأعمال الكسبية والحاجيات اليومية ، بل إنّ جلب النفع ودفع الضرر بالعبادات ليس مطروحاً ، وبه افترق العباد إلى شُعب ثلاث . فطالب النفع في الدُّنيا والآخرة تاجر ، ودافع الضرر في الدُّنيا والآخرة عبدٌ ، وأمّا القاصد في أولاه وأخراه وجه الله تعالى فهو حرٌّ ، ومعنى الحرّية

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ص 199 .