السيد كمال الحيدري

60

معرفة الله

والخصوصيات الأخرى ومنها الموت ، فإنّ المتوفّي الأنفس حقيقةً هو الله تعالى اللهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا « 1 » ، ولكن هذا لا يمنع من جعل الوسائط في توفّي الأنفس ؛ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ « 2 » . وبذلك يتّضح لنا أنّ التوسّل بالأسباب الطبيعية لتحقيق مقاصد الدُّنيا والآخرة صحيح ولا إشكال فيه شريطة عدم أخذها كمؤثّر على نحو الاستقلال ، وإلّا فهو شركٌ ظاهر ، فضلًا عن خُلوّه من الإخلاص . ولعلّ من الشواهد الواضحة في الاستعانة بالأسباب الطبيعية دون أن يقدح ذلك بالإخلاص ما جاء في قصّة الصدِّيق يوسف عليه السلام حيث كان قد طلب من السجين الذي أُطلق سراحه أن يذكره عند الملك وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ . . . « 3 » . ومن الواضح أنّ يوسف عليه السلام هو من المُخلَصين بفتح اللام فضلًا عن كونه من المُخلِصين بكسر اللام « 4 » فهو راسخ الاعتقاد في كون الفاعل المؤثّر في وجوده وبقائه ، فضلًا عن إخراجه من السجن أو إبقائه ، هو الله تعالى لا غير ، ولكنّ هذا المعنى لا يتقاطع البتة مع الاستفادة من الأسباب الطبيعية المأذون بها ما دام الإخلاص محفوظاً ، وهذا ما فعله يوسف الصدّيقعليه السلام . يقول العلّامة الطباطبائي : « والإخلاص لله لا يستوجب ترك التوسّل بالأسباب ، فإنّ ذلك من أعظم الجهل لكونه طمعاً فيما لا مطمع فيه ، بل إنّما

--> ( 1 ) الزمر : 42 . ( 2 ) السجدة : 11 . ( 3 ) يوسف : 42 . ( 4 ) سوف يأتي الفرق بينهما في البحث اللاحق ، فانتظر .