السيد كمال الحيدري

59

معرفة الله

هنالك مؤثّراً في الوجود على نحو الاستقلال غير الله تعالى . إنّ الله سبحانه وتعالى يريد منّا أن نتزوّج ليُحفظ النسل والنوع ، والزواج هو توسّل بالأسباب الطبيعية ، وكذلك يُريد منّا أن نحرث ونزرع ونسقي ونحصد ونبيع ونشتري ، وغير ذلك من تفاصيل الحياة ومفرداتها ، فهذا بحدّ ذاته ممدوح مندوب إليه شرعاً وعقلًا وعقلائيّاً حتّى أنّه يصل في بعض موارده إلى الوجوب العيني . نعم ، لابدّ أن يرافق ذلك اعتقاد راسخ بأنّ المُعطي للذرّية والمحافظ على النوع هو الله تعالى ، وأنّ الزواج هو وسيلة تحقيق ما يريده الله تعالى ، وإلّا فإنّ هنالك حالات كثيرة من الزواج قد دامت سنوات طوالًا وهي خلو من الأولاد مع عدم وجود أيّة موانع طبيعية بايولوجية عضوية وما ذلك إلّا لارتباط الأصل بالفاعل الحقيقي والمريد الفعلي وهو الله تعالى . وهكذا الحال في الزراعة والصناعة والتجارة وما شابهها . فالفلّاح من شأنه الحرث والشتل والسقي ، ولكنّ تحوّل البذرة إلى شجرة ، والنواة إلى نخلة هو من شأن الله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ « 1 » ، وبذلك يستقيم المعنى المتقدّم في كون الشافي والمطعم والساقي هو الله تعالى ، لأنّ الطبيب والدواء ونحوهما مجرّد وسائط ومعدّات في طريق الوصول إلى الشفاء الذي يمنحه الله تعالى لتوافر تلك المقدّمات . وهكذا في الطعام كما تقدّم ، وفي الشراب أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ « 2 » ، وهكذا في سائر الأعمال

--> ( 1 ) الواقعة : 65 63 . ( 2 ) الواقعة : 69 68 .