السيد كمال الحيدري
34
معرفة الله
فليس إبطالًا لحكمها بل استعمالًا لها في غير ما ينبغي من نحو الاستعمال ، نظير ما ربّما يتّفق أنّ الرامي لا يصيب الهدف في رميته ، فإنّ آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعة بالطبع للإصابة إلّا أنّ الاستعمال يوقعها في الغلط » « 1 » . فالفطرة باقية على أصلها وفصلها في حبّ الكمال والسعي لبلوغه ، ولكن الإشكالية تكمن في تحديد المصداق . فالخطأ في تعيين المصداق المطلوب حقّاً يؤدّي إلى الانحراف ، فيتصوّر البعض أنّ كماله المطلوب هو المال أو الجاه أو السلطان أو الملذّات أو . . . ، فيغترف من ذلك الماء الأجاج ظنّاً منه بأنّه عذب فرات سائغ شرابه ، فلا يزيده الشرب إلّا عطشاً وقرباً من هلاكه . عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال : « مَثل الدُّنيا كماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتّى يقتله » « 2 » . المقدّمة الثالثة : إنّ الكمال غير المتناهي ، مصداقه الأوحد هو الله سبحانه وتعالى . فالتأمّل في مجموع هذه المقدّمات ينتج عنه أنّ الإنسان إذا عرف الله تعالى فإنّه سوف يُحبّه بالضرورة ، وذلك لأنّ حبّه لله تعالى انعكاس وترجمة فعلية لحبّ كماله الشخصي والذاتي ، وهو طالب له ما دام فاقداً له حتّى إن كان مطلوبه يحصل عليه ضمن حدود ضيّقة في محلٍّ ما ، فكيف إذا علم أنّ مطلوبه موجود بشكل مطلق غير محدود ؟ فلا شكّ أنّه سوف يكون أشدّ طلباً له ورغبةً به . من خلال ذلك يتّضح لنا أنّ مرحلة ومسيرة طلب الكمالات لن تنتهي
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، للسيّد العلّامة محمّد حسين الطباطبائي ، نشر مؤسّسة إسماعيليان ، قم : ج 5 ص 338 . ( 2 ) الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 137 باب ذمّ الدنيا ، ح 24 .