السيد كمال الحيدري
35
معرفة الله
عند حدّ معيّن ما دام الطالب محدوداً وهو الإنسان في حدود بحثنا والمطلوب مطلقاً . وحيث إنّ المعرفة بالشي في إحدى معانيها هي الإحاطة به ، فكيف يُحيط المحدود باللامحدود ؟ لا شكّ أنّ أيّ إحاطة تعني محدودية المعلوم ، ولعلّ هذا الطلب الحثيث المستمرّ واللايقفي « 1 » يفسّر لنا من زاوية ما الأنس واللذّة في تحصيل المطلوب غير المتناهي . إنّ التناهي لا يعني محدودية المقام ، وهذا سرعان ما يُفضي بصاحبه إلى دائرة مغلقة وعديمة الانسجام مع أصل الفطرة الطالبة للكمال المطلق . ولكي يتّضح ما قدّمناه في تصوير المقدّمتين نضرب مثالًا حسّياً يعيشه الجميع ، وهو أنّ أيّ واحد منّا إذا شخّص أنّ بقاء حياته واستمرارها متوقّفان على أكله وشربه وتنفّسه فإنّ حاجته إلى ذلك سوف تُفضي به إلى حُبّ الطعام والشراب والهواء ؛ لأنّ جميع هذه الأشياء تحفظ له مطلوبه ، وهو بقاء حياته . وكذا الحال فيما نحن فيه ، فإنّ الإنسان بعد أن كان مفطوراً على حبّ ذاته وتحصيل كمالاته الذاتية فإنّه إذا شخّص أنّ الكمالات المفقودة لديه وهي كثيرةٌ لا تُحصى متوافرة وبدرجات غير متناهية في موجود مطلق غير متناه وهو الله تعالى فإنّه سوف يكون محبّاً لله تعالى ، وكلّما زادت معرفته وإيمانه بغايته ومطلوبه صار أكثر طلباً له وأشدّ حبّاً وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ « 2 » . فإذا انجلت الغبرة وعرف الإنسان هدفه وغايته ومحبوبه ومقصوده
--> ( 1 ) كلمة مركّبة من الوقوف ونفيه ، وتعني عدم التوقّف عند حدٍّ معيّن . ( 2 ) البقرة : 165 .