السيد كمال الحيدري
33
معرفة الله
هي الكمال المطلق بالنسبة للإنسان ، والسّر في الإطلاق هو كونه معرفة لا حدّ لها ولا يمكن الإحاطة بها . المقدّمة الثانية : إنّ هذا الحبّ بنكتة فطريّته لن يكون قابلًا للتبديل والتحويل والتغيير والتغيّر ، وهذه الحقيقة ثابتة عقلًا ونقلًا . أمّا عقلًا فإنّ التبديل أو التحويل أو التغيير يعني فقدان الأصل ؛ لأنّ حبّ الكمال ليس أمراً عارضاً على وجود الإنسان ، وإنّما هو كيفيّة مأخوذة في أصل تركيبته ونشأته ، فيكون افتراض عدمه افتراضاً لعدم الإنسان . وأمّا نقلًا فلقول الله تعالى : فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ « 1 » . وما دام الإنسان مفطوراً على حبّ الكمال وطلب الحصول عليه ، فإنّ هذا الحبّ وهذا الطلب لن يتبدّلا أو ينطفئا أبداً ، إذاً لا تبديل لخلق الله تعالى . وهكذا جرت سنّة الله في الإنسان كباقي سُننه في الكون خالدة باقية أبداً ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا « 2 » . فحبّ الكمال وطلب تحصيله هما سنّة الله سبحانه في خلقه ، وهما من أصول الفطرة الأولى التي فطر عليها الإنسان ، ولا ينتقض ذلك بما نشاهده من انحرافات جسيمة عن مستلزمات هذه الفطرة السليمة والصبغة الحسنة « 3 » ، فذلك لا يُعدّ إبطالًا لها وإنّما هو استعمال خاطئ لها في غير ما أريد لها . يقول السيّد الطباطبائي : « وأمّا الانحراف المشهود عن أحكام الفطرة
--> ( 1 ) الروم : 30 . ( 2 ) فاطر : 43 . ( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى : صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ، البقرة : 138 .