السيد كمال الحيدري
32
معرفة الله
وهكذا الحال في المقام ، فإنّ حبّ الكمال الذي فُطر عليه الإنسان يمثّل في واقعه درجة شديدة من وجوده ، ولذا لا تكون الرغبة في الكمال قابلة للتعليل « 1 » ، فهي أمرٌ ذاتيّ وحقيقيّ في أصل خلقة وتركيبة الإنسان ، ومن الواضح أنّ الذاتي لا يُعلّل ، فلا معنى للسؤال بعد ذلك عن سبب حبّ الإنسان للكمال « 2 » . هذا ، وسنعرف فيما بعد « 3 » أنّ هذا الكمال الذي فُطر الإنسان على حبّه وطلبه هو خصوص الكمال المطلق ، وأنّ الكمال المطلق بالنسبة للإنسان هو نفس معرفة الله تعالى . فالكمال المطلق هو معرفته سبحانه ، ومعرفته سبحانه
--> ( 1 ) انظر : كلمة حول فلسفة الأخلاق للأستاذ محمّد تقي اليزدي ، مؤسّسة در راه حقّ ، قم : ص 28 . ( 2 ) ينقسم الحمل في علم المنطق إلى قسمين ؛ الأوّل : حمل المفهوم على نفسه ، مثل قولنا : الإنسان إنسان ، والثاني : حمل المفهوم على مصداقه ، مثل : زيد إنسان . الأوّل يُسمّى بالحمل الأوّلي ، والثاني بالحمل الشايع الصناعي ، وربّما سُمّي الشايع بذلك لكثرة استعماله ، أي لشيوعه نتيجة حصول الفائدة الواضحة منه ، بخلاف الحمل الأوّل . وعليه فإذا حملنا البياض على نفسه وقلنا : البياض أبيض ، فالحمل هنا حملٌ أوّليّ لأنّنا حملنا البياض على نفسه لا على شيء آخر ، فالأبيضيّة هنا ليست شيئاً آخر غير البياض وإنّما هي حقيقة البياض وذاته ، كما هو الحال بين زيد ونفسه ، فنفس زيد هي زيد نفسه ، وإذا كان الأمر كذلك فعندئذ لا يصحّ أن نقول لماذا صار البياض أبيض ، لأنّ البياض لم يكن قبل الأبيضيّة شيئاً آخر لنسأل عنه ، فلا توجد علّة لأبيضيّة البياض غير أبيضيّته نفسها ، ومن هنا قالوا باستحالة التفكيك بين الشيء ونفسه ؛ لعدم وجود اثنينيّة في المقام ولذا لا يُعلّل ، أي لا يُسأل عن علّة أبيضيّة البياض ، وهكذا لا يصحّ أن نقول : لماذا صار الماء ماءً ، والأرض أرضاً . . . الخ . وهذا غير قولنا : لماذا خُلق الماء ، وخُلقت الأرض ؟ كما هو واضح . ( 3 ) انظر : الفصل الرابع ، بحث ( تبصرة ) .