السيد كمال الحيدري

83

مراتب السير والسلوك إلى الله

بعبارة أُخرى : إنّ الوحدة محجوبة عن السالك بالكثرة ، أو إنّه محجوب بعالم المادّة عن الوحدة ، ولذا فهو في هذا السفر الأوّل يبدأ رحلة تنقله من عالم الكثرة إلى عالم الوحدة ، من عالم المادّة والطبيعة إلى الله تعالى ، من عالم الآثار إلى المؤثّر ، وبعبارة فلسفية : إنّه سفر وانتقال من المعلول إلى العلّة ، وهذا هو معنى السفر من الخلق إلى الحقّ . فيكون مقصد السالك هنا هو الواحد بالوحدة الحقّة الحقيقية ، والمؤثّر الحقيقي والعلّة التامّة وهو الحقّ تبارك وتعالى ، والمبدأ في سلوكه وانطلاقه هو عالم الآثار المعلول والكثرة الحقيقية ، فلا المقصد فيه كثرة ، ولا المبدأ والمنطلق في قوس الصعود فيه وحدة حقّة . معنى الاحتجاب والفناء عرفنا ممّا تقدّم أنّ السفر الأوّل هو سفر من عالم الكثرة « الخلق » إلى عالم الوحدة « الله تعالى » ، وأنّ السالك في هذا السفر لابدّ أن يجعل الكثرة مُحتجبة بالوحدة ، لا أن يجعل الوحدة محتجبة بالكثرة . فإنّه في مبدأ هذا السفر كانت الوحدة عنده محتجبة بالكثرة ، لكنّه في خاتمة هذا السفر لابدّ أن تكون الكثرة هي المحتجبة بالوحدة . والسؤال الذي يطرح نفسه هو : ما معنى الاحتجاب هذا ؟ أهو بمعنى إعدام عالم الكثرة أم هو شيء آخر ؟ والجواب هو أنّ المراد من الاحتجاب هو عدم رؤية عالم الكثرة ، لا أنّه عدمٌ لعالم الكثرة . بعبارة أُخرى : هو عدم الالتفات إلى الكثرة والانشغال التامّ بالوحدة . ومن الواضح أنّ عدم الالتفات إلى الشيء لا