السيد كمال الحيدري
84
مراتب السير والسلوك إلى الله
يعني انعدامه خارجاً . ولعلك تسأل : كيف يمكن التصديق بحالة عدم الالتفات هذه ؟ أيُعقل أن لا يلتفت الإنسان إلى أفعاله ؟ والجواب هو أنّ هذا المعنى حاصل ، ولنا شاهد قرآنيّ على حصوله مع كون الفعل المرافق له موجباً للألم الشديد ، وهو قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ، فالنسوة هنا مع كونهنّ أضعف الناس إلّا أنّهن لم يجدن ألم قطع الأيدي عند لقائهنّ يوسف عليه السلام بل صحْنَ بدهشة : مَا هذَا بَشَراً وقُلن بوجد : إنْ هذَا إلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ « 1 » . وهنا يعلّق صاحب الرسالة القشيرية قائلًا : « فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ، فما ظنّك بمن تكاشف « 2 » بشهود الحقّ سبحانه » « 3 » ، وعليه فعدم الالتفات أمر ممكن ، بل واقع ، بل كثير الوقوع . وهذا المعنى للاحتجاب هو نفسُهُ معنى الفناء ، فإنّ السالك في هذا المقام الذي هو منتهى السفر الأوّل ، لا يرى في العالم إلّا الوحدة ، وبذلك تحتجب الكثرة فيصير المرئيّ واحداً لا غير ، وهو الله سبحانه وتعالى ، وهذه هي وحدة الشهود ، حيث لا يرى السالك غير محبوبه ومقصوده ، فيكون السالك عارفاً برّبه ، ويبقى عليه فيما بعد أن يرى بعينه الأُخرى أنّ الوحدة كامنة في الكثرة ، والكثرة في الوحدة ، وذلك
--> ( 1 ) يوسف : 31 . ( 2 ) أي أُزيلت عنه الحُجب . ( 3 ) الرسالة القُشيرية ، مصدر سابق : ص 140 .