السيد كمال الحيدري
68
مراتب السير والسلوك إلى الله
والعود إليه برحلة تكاملية ، تبدأ من السفر الأوّل « السفر من الخلق إلى الحقّ » ، وإلّا فإنّه قبل هذا العالم لا يوجد أمر ولا نهي ، ولا سفر ولا تكامل « 1 » . هذا وقد عرفت أنّ السفر نحو المبدأ هو سفر معنويّ لا مادّي ، فإنّ السفر المادي يكون المبدأ فيه مادّياً والمنتهى كذلك ، كانتقالك الحسّي من مكان إلى آخر ، وأمّا في السفر المعنوي فالمسألة تختلف ولو من حيث المنتهى ، وما نحن فيه يكون مبدأ الرحلة والسفر مادياً وهو عالم المادّة والطبيعة إلّا أنّ المنتهى والمقصد والغاية ليس ماديّاً ، وإنّما هو منتهى في درجات الوجود وسُلّم الوجود . ويكون السفر الأوّل - إن جاز لنا التعبير - عرضياً ، أي هو سفر في عرض عالم المادّة لا في طوله « 2 » ، وهذا بخلاف ما هو عليه في السفر الثاني « بالحقّ في الحقّ » « 3 » فإنّه سفر طولي في نشآت الوجود ، حيث
--> ( 1 ) انظر المقدّمة الثانية من التمهيد . ( 2 ) يمكن تقريب معنى العرضية والطولية بمثال حسّي ، وهو : لو كنت تُريد الدخول برفقة أخيك إلى المكتبة ، فإمّا أن تدخلا معاً سويّة دون أن يتأخّر أحدكما عن الآخر ، وإمّا أن يتأخّر أحدكما عن الآخر ، والأوّل هو معنى العرضيّة فيكون دخولك في عرض دخول أخيك ، وهو معنى المعيّة . فالمعيّة - مضموناً - تؤدّي مفاد العرضية . والثاني هو معنى الطولية ، فالمتأخّر كان دخوله في طول دخول الأوّل . وعليه يكون المراد من السير العرضي هنا هو أنّ السالك يسير نحو الحقّ وهو لازال مرتبطاً ومتعلّقاً وغير متجاوز لعالم المادّة ، بخلاف ما سيكون عليه الحال في سفره الثاني . ( 3 ) هكذا أسماه صدر المتألّهين - الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 1 ص 13 - وقد يُعبّر عنه أيضاً ب - « السفر من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ » وهذا ما / / عبّر به جملة من الأعلام وتبعهم عليه سيّدنا الأستاذ الحيدري - كما سيأتي - وهو تعبير أوضح من الأوّل وأجلى بلا إشكال ، ولكنّ الأوّل أوجز وأمتن وأدقّ ، لأنّ الساحة والحضرة الإلهية المقدّسة يصعب أن يقال إنّ فيها مبدأً وفيها منتهى ، فتلك من صفات المخلوق المحدود ، فليس للحقّ تعالى نهاية أو بداية ، وربّما عبّر صدر المتألهين ب - « في » اختصاراً للمبدأ « من » وللمنتهى « إلى » .