السيد كمال الحيدري
69
مراتب السير والسلوك إلى الله
لابدّ أن يتجاوز هذه النشأة المادّية إلى نشأة ما وراء المادّة « 1 » ، وهذا هو السفر المعنويّ الحقيقيّ والمقصود في كلمات الحكماء الإلهيين والعرفان الربانييّن . فالأسفار الأربعة - بإيجاز - تعني : السفر في درجات وسُلّم الوجود ، حيث السير من مرحلة إلى مرحلة أُخرى أكمل من الأُولى ، ومنها إلى مرحلة أُخرى ، وهكذا حتى يصل العبد السالك إلى غايته المنشودة ، أعني الحقّ سبحانه وتعالى ، فهو غاية الغايات ، ومنتهى كلّ غاية ، على حدّ تعبير الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام « 2 » . هذا ، والشواهد القرآنية والروائية والأدلّة العقلية القاطعة تُثبت أنَّ الإنسان لم يأت إلى هذه الدنيا ليقف عندها وفيها ، وإنّما جاء إلى هنا ليبدأ مسيرته الكبرى نحو الله سبحانه وتعالى .
--> ( 1 ) لعلّ في التعبير ب - « ما وراء المادّة » مسامحة واضحة ، لأنّ السير إلى الله تعالى يعني : الرجوع إلى المبدأ والعالم العُلوي السابق وجوداً على عالم المادّة ، فهو عود إلى ما قبل الطبيعة انطلاقاً من الطبيعة ، وقد عرفنا - آنفاً - أنّه ليس وراء عالم الطبيعة إلّا العدم ، وقد عرف عن العرفاء قولهم : إنّ الغايات في الانتهاء إلى البدايات . وهذا هو معنى الرجوع ، وإنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى العلق : 8 . ( 2 ) سبقت الإشارة إلى هذا القول ، وهو : كان ربي قبل القبل بلا قبل . . . فهو منتهى كلّ غاية . ( أصول الكافي : ج 1 ص 89 ح 5 ) .