السيد كمال الحيدري
34
مراتب السير والسلوك إلى الله
في تلك العوالم ، كما نبّهنا لذلك في مطلع هذه المقدّمة . لقد أثبت لنا القرآن الكريم حقيقة وجود العوالم الأُخرى السابقة وجوداً على هذا العالم المادّي ، تارة بنحو العموم وأُخرى بنحو الخصوص . أمّا بنحو العموم ، فمن قبيل قوله تعالى : وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 1 » . وهنا تستخدم الآية الشريفة نوعاً من أنواع أدوات العموم والشمول وهو قوله : وَإنْ مِنْ شَيْءٍ ، فهو عامّ شامل لا يخرج عنه شيء من عالم الإمكان . وفيما نحن فيه تقول الآية الكريمة إلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ، فكلّ شيء من أشياء عالم المادّة موجود عنده تعالى . وإذا أضفنا إلى هذا المعنى مؤدّى قوله تعالى : مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ « 2 » استكشفنا من ذلك أنّ ما عند الله تعالى غير قابل للنفاد والتغيّر والتحوّل والنقص والحركة والزيادة والنقصان . بعبارة واضحة : إنّنا نستكشف أنّ نشأة هذه الأشياء هنالك بنحو وأنّ نشأتها وكيفية وجودها في عالمنا بنحو آخر ، وهذا التغاير في كيفية الوجود يثبت لنا صحّة المدّعى . إنّ هذا الدليل القرآني - وهو من أهمّ أدلّة التجرّد القرآنية - يثبت لنا على أقلّ التقادير وجود نشأتين : الأُولى هي نشأة النفاد ، والأُخرى هي نشأة البقاء . ومن الواضح أنّ الحركة والتغيّر والتحوّل والنزول
--> ( 1 ) الحجر : 21 . ( 2 ) النحل : 96 .