السيد كمال الحيدري

93

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن

هذه الأرضيّة لا يبقى مجال لاعتبار النتاج التفسيري الاجتهادي « 1 » . اثنا عشر : حيث إنّ المنهج التجريبي التفسيري يعتمد على الاستقراء بالدرجة الأُولى في رصد مفردات التجربة فإنّه يبقى عاجزاً عن تقديم نتائج قطعيّة ؛ من هنا أثبتت فلسفة العلم عجز العلوم الطبيعيّة التجريبيّة عن الوصول بمعطياتها إلى مرتبة القانون . هذا وقد اعتبر جملة من الأعلام أنّ هذا المنهج التفسيري هو أقرب للتطبيق منه للتفسير « 2 » ، وقد اختلف اختلافاً كبيراً في اعتماد نتائجه ، فأفرط قومٌ والتزموا به لا غير ، مُحمّلين النظريّات العلميّة التي ثبت بطلان الكثير منها فيما بعد على القرآن ، فجعلوا أنفسهم ناطقين عن القرآن يقبل ما يقبلونه وينفي ما ينفونه « 3 » ، وفرّط قومٌ آخرون ، فأنكروا أن يكون للقرآن أيّ صلة بالعلوم وأنّه مجرّد كتاب جاء ليبيِّن أحكام الآخرة وما يتعلّق بها ، والصحيح في المقام هو أنّ المعطيات العلميّة التجريبيّة إذا كانت مؤيّدة لنصوص قرآنيّة قطعيّة الدلالة أو ظاهرة في ذلك ، قبلنا بها ، وعندئذ تدخل في مجال الإعجاز العلمي للقرآن ، وأمّا ما عدا ذلك فلا يصحّ الأخذ به أو اعتماده ، ولكن لا بمعنى إلغاء المعطيات العلميّة التجريبيّة وإنّما بمعنى عدم تصحيح الوجه التطبيقي الذي مُورس في المقام ، وبذلك تُحفظ كرامة القرآن الكريم من جهة ، والجهود العلميّة التجريبيّة من جهة أخرى « 4 » .

--> ( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 57 - 58 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 7 . ( 3 ) انظر الجواهر في تفسير القرآن ، للشيخ الطنطاوي ، دار الفكر . ( 4 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 67 .