السيد كمال الحيدري
70
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
يؤمن به ، فلمَّا خصَّ الراسخين في العلم بالذكر علم أنّهم امتازوا بعلم تأويله ، فعلموه لأنّهم عالمون ، وآمنوا به لأنّهم يؤمنون ، وكان إيمانهم به مع العلم أكمل في الوصف ، وقد قال عقيب ذلك : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ، وهذا يدلّ على أنَّ هنا تذكّراً يختصُّ به أولو الألباب ، فإن كان ما ثمَّ إلّا الإيمان بألفاظ فلا يذكر لما يدلهّم على ما أريد بالمتشابه ؛ ونظير هذا قوله في الآية الأخرى : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، فلمَّا وصفهم بالرسوخ في العلم وأنّهم يؤمنون ، قرن بهم المؤمنين ، فلو أريد هنا مجرّد الإيمان لقال : والراسخون في العلم والمؤمنون يقولون : آمنّا به ، كما قال في تلك الآية لمّا كان مراده مجرّد الإخبار بالإيمان جمع بين الطائفتين » « 1 » . هذا ، وقد اختلط على البعض من أنَّ الآية الكريمة المتعلّقة بالراسخين في العلم قد نهت عن السؤال عن المُتشابه ، حيث رووا عن عائشة أنّها قالت : تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم » « 2 » ، مع أنَّ الحديث على فرض صحّته يفيد بأنّه ( ص ) أراد التحذير من الذين يتتبَّعون المتشابه منه لغرض إيقاع الأمّة في فتنة ، وأمّا من أرادوا السؤال وفهم مقاصد القرآن والتدبّر فيه فأُولئك ممدوحون وقلوبهم مُتفتِّحة بنور العلم وطلب الحقيقة ، وقد قال تعالى : أَفَلا يَتَدبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالهَا
--> ( 1 ) مجموع فتاوى ابن تيمية ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 386 - 388 . ( 2 ) سنن الدارمي ، دار إحياء السنّة النبويّة : ج 1 ، ص 55 .