السيد كمال الحيدري

64

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن

القرآن بأهوائهم فيقول : هل صحيح أنَّ معنى الآية الفلانيّة هو كذا ؟ فيُجيبه النبيّ ( ص ) الذي أَمرنا القرآن بالرجوع له في المُلمَّات قائلًا : لا علم لديّ ! ! ! . وهذا ما التفت له العلّامة الزركشي ، حيث يقول : « ومنهم من رجّح أنّها للعطف ؛ لأنَّ الله تعالى لم يُكلِّف الخلق بما لا يعلمون ، وضعف الأوّل أي : القول بالوقف ؛ لأنَّ الله لم ينزل شيئاً من القرآن إلّا لينتفع به عباده ، ويدلّ به على معنى أراده ، فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله للزمنا ، ولا يسوغ لأحدٍ أن يقول : إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يعلم المتشابه » « 1 » . سابعاً : ما معنى قول الراسخين في العلم : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ؟ هل يقولون ذلك عن جهل ؟ بمعنى : أنّهم آمنوا بشيء لا يفهمون منه شيئاً ، وما هذا الذي ينسبونه إلى ربِّهم وهم لا يعلمونه ؟ فلم يبق إلّا أن يكون تعبيرهم بالإيمان هو أنّهم مؤمنون بأنّه لا يعلم تأويله ذاتاً إلّا الله تعالى ، وأنّهم بدون تعليمه تعالى لهم ليس لهم إلّا أن يُسلِّموا بذلك ؛ مع أنَّ قولهم : آمَنَّا بِهِ فيه إشارة واضحة إلى أنَّ مرادهم هو أنّهم آمنوا بما تعلّموه من تأويل القرآن من الله تعالى ؛ وأنَّ مرادهم من قولهم : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ، إمّا : المحكم والمتشابه ، وهو الظاهر ، أو المراد هو : ما علموه وما تعلَّموه ، فهو من عند الله تعالى . ثامناً : أليس أهل الذكر هم أنفسهم الراسخين في العلم ؟ أو على الأقلّ هم منهم ، وقد قال تعالى فيهم : . . . فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( النحل : 43 ) ، فأيُّ ذكرٍ وعلمٍ يكون لهم وهم لا يعلمون معاني المُتشابه

--> ( 1 ) البرهان في علوم القرآن ، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتاب العربي ، 1376 ه - ، القاهرة : ج 2 ، ص 72 .